الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المبحث الثالث عن الحكم الشرعي

وقال حذيفة رضي الله عنه : كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا إلى أن يموت وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات .

وقال بعض العلماء : أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق .

وقال حذيفة المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا إذ ذاك يخفونه ، وهم اليوم يظهرونه وهذا النفاق يضاد صدق الإيمان ، وكماله وهو خفي وأبعد الناس منه من يتخوفه وأقربهم منه من يرى أنه بريء منه .

فقد قيل للحسن البصري يقولون أن لا نفاق اليوم ، فقال يا أخي : لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق .

وقال هو أو غيره : لو نبتت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض بأقدامنا وسمع ابن عمر رضي الله عنه رجلا يتعرض للحجاج فقال أرأيت لو كان حاضرا يسمع أكنت تتكلم فيه فقال : لا فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم : " من كان ذا لسانين في الدنيا جعله الله ذا لسانين في الآخرة " وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : " شر الناس ذو الوجهين ، الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء ، بوجه " وقيل للحسن إن قوما يقولون : إنا لا نخاف النفاق ، فقال : والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من تلاع الأرض ذهبا .

وقال الحسن : إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسر ، والعلانية والمدخل ، والمخرج .

وقال رجل لحذيفة رضي الله عنه إني أخاف أن أكون منافقا ، فقال : لو كنت منافقا ما خفت النفاق ، إن المنافق قد أمن النفاق .

وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين ومائة ، وفي رواية خمسين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخافون النفاق .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا ، وأكثروا الثناء عليه فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم الرجل ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء وقد علق نعله بيده وبين عينيه أثر السجود فقالوا : يا رسول الله ، هذا هو الرجل الذي وصفناه فقال صلى الله عليه وسلم أرى على وجهه سفعة من الشيطان فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم ، أنه ليس فيهم خير منك فقال اللهم ، نعم فقال صلى الله عليه وسلم في دعائه : " اللهم إني أستغفرك لما علمت ولما لم أعلم ، فقيل له : أتخاف يا رسول الله ، فقال : وما يؤمنني والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقد قال سبحانه: : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون قيل في التفسير : عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فكانت في كفة السيئات .

وقال سري السقطي لو أن إنسانا دخل بستانا فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة فقال : السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيرا في يديها .

التالي السابق


(وقال حذيفة رضي الله عنه: كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا إلى أن يموت وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات) ، هكذا أورده صاحب القوت، قال العراقي: أخرجه [ ص: 271 ] أحمد بإسناد فيه جهالة اهـ. \50 قلت: قال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبو بكير بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمر، حدثني الجهني، حدثنا أبو الرقاد، وقال: خرجت مع مولاي وأنا غلام فدفعت إلى حذيفة، وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيصير بها منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتحضن على الخير أو ليسحتنكم الله بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم.

(وقال بعض العلماء: أقرب النفاق من يرى أنه بريء منه) ، هكذا أورده صاحب القوت، زاد، وقال مرة أخرى: أمنهم منه، (وقال حذيفة) رضي الله عنه: (المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذ ذاك يخفونه، وهم الآن يظهرون) ، هكذا أورده صاحب القوت، ولفظه: كانوا إذ ذاك .

وقال العراقي: أخرجه البخاري إلا أنه قال فيه "شر" بدل "أكثر" اهـ .

قلت: وأخرجه أبو داوود الطيالسي، ومن طريقه أبي نعيم في الحلية، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال حذيفة: "المنافقون اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يومئذ يكتمونه، وهم الآن يظهرونه"، (وهذا النفاق يضاد صدق الإيمان، وكماله) أراد به النفاق العملي، فإنه الذي يطفئ نور الإيمان وكماله، لا أصله، (وهو خفي) المدرك، (وأبعد الناس منه من يتخوفه) من الوقوع، (وأقرب الناس منه من يرى أنه بريء منه) كما تقدم النقل قريبا عن بعض العلماء، (فقد قيل للحسن البصري يقولون أن لا نفاق، فقال: لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق) ، أورده صاحب القوت بلفظ: وقيل للحسن: إن قوما يقولون لا نفاق اليوم، فقال: يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشت في الطرقات، (قال هو وغيره: لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض) ، هكذا في القوت إلا أنه قال: وعنه وعن غير، أو روى هذا الكلام عنه، وعن غيره; لأنه روى هذا الكلام عن الحسن، وعن غيره، وأراد بقوله: ما قدرنا أي: لكثرتهم .

ثم قال صاحب القوت: (وسمع ابن عمر) هو عبد الله بن عمر (رجلا يتعرض للحجاج) أي بسوء، عبارة القوت: يطعن على الحجاج، (فقال) له: (أرأيت لو كان) الحجاج (حاضرا) بين يديك (أنت تتكلم فيه) بما تكلمت به الآن (قال: لا، قال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

قال العراقي: أخرجه أحمد والطبراني بنحوه، وليس فيه الحجاج اهـ .

ووجدت بخط من وجد بخط الحافظ ابن حجر ما نصه: هو في الغيلانيات من رواية يحيى البكاء، عن ابن عمر، وفيه ذكر الحجاج اهـ .

وقول المصنف: (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان ذا لسانين في الدنيا جعله الله ذا لسانين في الآخرة") وهو من تتمة كلام ابن عمر وليس حديثا مستقلا، كما هو ظاهر من سياق القوت، حيث قال بعد قوله: كنا نعد هذا نفاقا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، "من كان ذا لسانين في الدنيا كان له في الآخرة لسان من نار" ثم قال بعد ذلك: "في الخبر شر الناس ذو الوجهين"، الحديث، فدل ذلك أن الذي قبله من كلام ابن عمر لا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأمل .

(وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: "شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه") ، هكذا أورده صاحب القوت، ولم يتعرض له العراقي في المغني، وهو في المتفق عليه من حديث أبي هريرة، بلفظ: "تجدون من شر الناس ذو الوجهين، يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه"، كذا في المقاصد للسخاوي، وأخرج الطبراني في الأوسط عن سعد بلفظ: "ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة وله وجهان من نار"، (وقيل للحسن) أي البصري: (إن قوما يقولون: إنا لا نخاف النفاق، فقال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا) ، هكذا أورده صاحب القوت، إلا أنه قال: من ملء الأرض ذهبا، وطلاع الأرض بالكسر ملؤها، (وقال الحسن: إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب، و) اختلاف (السر والعلانية، و) اختلاف (المدخل والمخرج) ، هكذا أورده صاحب القوت، وهو يشير إلى النفاق العملي، الذي يطفئ نور الإيمان، كما تقدم البيان، وإلى هذا [ ص: 272 ] أشار حذيفة -رضي الله عنه- فيما أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق الأعمش، وسفيان عن ثابت بن هرمز، عن أبي يحيى، قال: قيل لحذيفة: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، (وقال رجل لحذيفة -رضي الله عنه- إني أخاف أن أكون منافقا، فقال: لو كنت منافقا ما خفت النفاق، إن المنافق قد أمن النفاق) ، هكذا أورده صاحب القوت، إلا أنه قال: ما خفت أن تكون منافقا.

(وقال ابن مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليك القرشي التميمي، المكي الأحول المؤذن القاضي لابن الزبير، المتوفى سنة 117: (أدركت ثلاثين ومائة، وفي أخرى خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، هكذا هو في القوت، أو خمسمائة، ويوجد في بعض النسخ خمسين ومائة، والذي في صحيح البخاري: أدركت ثلاثين، قال القسطلاني: أجلهم عائشة وأختها أسماء، وأم سلمة والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمسور بن مخرمة، رضي الله عنهم (يخافون النفاق) .

وعبارة القوت: كلهم يخاف النفاق على نفسه، وهكذا هو في صحيح البخاري، وهو النفاق في الأعمال; لأنه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه، مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنما ذلك على سبيل المبالغة، فهم في الورع والتقوى، أو قالوا ذلك لكون أعمارهم طالت حتى رأوا من التغيير ما لم يعهدوه، مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت، هكذا أورده البخاري في الصحيح معلقا، وأخرج اللالكائي في السنة من طريق المعافى بن عمران عن الصلت بن دينار، عن ابن أبي مليكة، قال: لقد أتى علي برهة من الدهر، وما أراني أدرك قوما يقول أحدهم إني مؤمن مستكمل الإيمان، ولقد أدركت كذا وكذا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مات رجل منهم إلا وهو يخشى على نفسه النفاق .

(وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وفي القوت: وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا، وأكثروا الثناء عليه) ، وفي القوت: فذكروا رجلا فمدحوه، وحسنوا الثناء عليه، (فبينما هم كذلك إذ طلع الرجل عليهم ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء) ، وفي القوت يقطر وجهه ماء من أثر الوضوء، (قد علق نعله بيده) ، وفي القوت: وقد علق نعله بيده، (وبين عينيه أثر السجود) وهو المسمى على ألسنة الناس زبيبة الصلاح، (فقالوا: يا رسول الله، هذا الرجل الذي وصفناه) لك (فقال رسول الله) وفي القوت: فلما نظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، قال: (أرى في) ، وفي القوت: على (وجهه سعفة من الشيطان) ، يعني ظلمة، (فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم) ، وفي القوت: حتى جلس مع القوم بعد أن سلم (فقال) له رسول الله (صلى الله عليه وسلم: نشدتك بالله) ، وفي القوت: نشدتك الله، أي أقسمت عليك بالله عز وجل: (حين أشرفت علينا على القوم، هل حدثتك نفسك أنه ليس فيهم خير منك) ، وفي القوت هل حدثتك نفسك حين أشرفت علينا أنه ليس فيهم خير منك (قال اللهم، نعم) .

قال العراقي: أخرجه أحمد، والبزار، والدارقطني من حديث أنس اهـ .

قلت: وفيه صدق ما تفرس به النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل المذكور، وبيان لمعجزته، حيث أخبر عن شيء لم يصل إليه علم القوم، فأطلع الله حبيبه صلى الله عليه وسلم على أحواله، وأن باطنه مخالف لظاهره، فإنه قد خطر في ضميره أنه أفضل القوم، وهذا فيه خطر عظيم، ومثله كان يعد منافقا، اللهم سلمنا منه يا رب العالمين .

(وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه: "اللهم إني أستغفرك لما علمت وما لم أعلم، فقيل له: أتخاف يا رسول الله، فقال: وما يؤمنني والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء") ، هكذا أورده صاحب القوت، إلا أنه قال: وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره .

وقال العراقي: أخرجه مسلم من حديث عائشة: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل"، ولأبي بكر بن الضحاك في الشمائل من حديث مرسل: وشر ما لم أعلم، وآخر الحديث عند مسلم من حديث عبد الله بن عمر اهـ .

وأخرجه أبو داوود، والنسائي وابن ماجة، عن عائشة، كسياق مسلم: اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت وشر ما لم أعلم، وفي القوت، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبا بكر -رضي الله عنه- دعاء قال [ ص: 273 ] قل فيه: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك، وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، قلت: وأخرج أحمد وأبو يعلى والحكيم الترمذي، وأبو نعيم في الحلية، عن أبي بكر: الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك، وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات.

(وقال) الله (تعالى: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) قال صاحب القوت: (قيل: عملوا أعمالا فظنوا) ، ونص القوت: ظنوا، (أنها حسنات فكانت في كفة السيئات) ، ونص القوت: فلما كان عند الحساب والميزان، وجدوها سيئات؛ والكفة بكسر الكاف وفتحها. (وقال) أبو الحسن (السري) هو ابن المفلس (السقطي) بالتحريك نسبة إلى بيع سقط المتاع، وهو من كبار العارفين، خال أبي القاسم الجنيد، توفي سنة 251، أخذ عن معروف الكرخي، وعنه ابن أخته الجنيد، ويوجد هنا في النسخ، وقال سري، بلا لام، وهكذا هو أيضا في القوت: (لو أن رجلا دخل بستانا) ، ونص القوت: إلى بستان (فيه من جميع الأشجار عليه من) ونص القوت على تلك الأشجار (جميع الأطيار فخاطبه) ، أي: الداخل، (كل طير منها بلغته) المعلومة له، (فقال: السلام عليك يا ولي الله) ، بأن عرفه الله تعالى لغاتهم على اختلافها، (فسكنت نفسه إلى ذلك) واطمأنت وحدثته بالعجب، (كان أسيرا في يديها) موثقا لديها، وذلك; لأن الوقوف عند النعمة حجاب وسكون النفس إلى شيء يدل على نقص في المقام عند الإعلام .

وفي القوت قال بشر بن الحارث: سكون القلب إلى قبول المدح أضر عليه من المعاصي، وكان سهل يقول غفلة العالم السكون إلى الشيء، وغفلة الجاهل الافتخار بالشيء، والسكون عندهم من الدعوى، والدعوى من المعاصي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث