الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        في بيان الحفر الذي هو في محل عدوان وغيره ، والحفر يقع في مواضع ؛ أحدها : إذا حفر في ملك نفسه ؛ فلا عدوان ؛ فلو دخل ملكه داخل بإذنه ، وتردى فيه ، لم يجب ضمانه إذا عرفه المالك أن هناك بئرا ، أو كانت مكشوفة والداخل متمكن من التحرز ؛ فأما إذا لم [ ص: 317 ] يعرفه ، والداخل أعمى ، أو الموضع مظلم ؛ ففي " التتمة " أنه كما لو دعاه لطعام مسموم ؛ فأكله .

                                                                                                                                                                        ولو حفر بئرا في دهليز داره ، ودعا إليها رجلا ، فتردى فيها ، ففي الضمان قولان سبقا في أول الجنايات ، أظهرهما : الوجوب ، وقيل : إن كان الطريق واسعا وعن البئر معدل فقولان ، وإن كان ضيقا فقولان مرتبان ؛ وأولى الوجوب . وعلى هذا قياس تقديم الطعام المسموم وأطعمة فيها طعام مسموم .

                                                                                                                                                                        الموضوع الثاني : إذا حفر في موات للتملك أو للارتفاق بالاستقاء منها فلا ضمان ؛ لأنه جائز كالحفر في ملكه . وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " البئر جبار " .

                                                                                                                                                                        الثالث : إذا حفر في ملك غيره نظر إن حفر بإذن المالك ؛ فهو كحفره في ملكه ، وإن حفر بغير إذنه ، تعلق به الضمان ؛ لكونه عدوانا ، وتكون الدية على العاقلة . ولو هلك به دابة أو مال آخر ، وجب الضمان في ماله . وهل يجعل رضى المالك ببقاء البئر المحفورة كرضاه بالحفر ؟ وجهان سبقا في الغصب ؛ أصحهما : نعم ، ولو كان الحافر عبدا ؛ فالضمان يتعلق برقبته ؛ فلو أعتقه السيد ؛ فضمان من يتردى بعد العتق يتعلق بالعتيق .

                                                                                                                                                                        ولو حفر في ملك مشترك بينه وبين غيره بغير إذن الشريك ، تعلق به الضمان أيضا ؛ لأنه لا يجوز الحفر في المشترك ؛ وإذا حفر في ملك الغير متعديا ، ودخله رجل بغير إذن ، فتردى فيها ؛ ففي تعلق الضمان بالحافر وجهان . قال في " البيان " : لو قال المالك : حفر بإذني ، لم يصدق .

                                                                                                                                                                        الرابع : إذا حفر في شارع نظر ؛ إن كان ضيقا يتضرر الناس بالبئر فيه ، وجب ضمان ما هلك بها ؛ سواء أذن الإمام أم لا ، وليس للإمام الإذن فيما يضر . وإن كان لا يتضرر بها لسعة الشارع ، أو انعطاف موضع البئر ، نظر ، إن كان الحفر لمصلحة عامة ، كالحفر [ ص: 318 ] للاستقاء ، أو لاجتماع ماء المطر . فإن أذن فيه الوالي ؛ فلا ضمان ؛ وإلا فالأظهر الجديد أنه لا ضمان . وأشار في القديم إلى وجوبه . وإن حفر لغرض نفسه ؛ فإن كان بغير إذن الإمام ، ضمن ؛ وإلا فلا على الأصح . وبه قطع العراقيون والمتولي والروياني ، وهذا جار على ما سبق في إحياء الموات أن الأصح الذي عليه الأكثرون أنه يجوز أن يقطع الإمام من الشوارع ما لا ضرر فيه ، وأن للمقطع أن يبني فيه .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        الحفر في المسجد كالحفر في الشارع ؛ فلو بنى مسجدا في شارع لا يتضرر به المارون جاز ؛ فلو تعثر به إنسان أو بهيمة ، أو سقط جداره على إنسان أو مال فأهلكه فلا ضمان إن كان بإذن الإمام . وكذا إن لم يكن بإذنه على الأظهر الجديد .

                                                                                                                                                                        ولو بنى سقف مسجد أو نصب فيه عمادا ، أو طين جداره أو علق فيه قنديلا ؛ فسقط على إنسان أو مال فأهلكه ، أو فرش فيه حصيرا ، أو حشيشا ؛ فزلق به إنسان فهلك ، أو دخلت شوكة منه في عينه فذهب بها بصره ؛ فإن جرى ذلك بإذن الإمام أو متولي أمر المسجد ؛ فلا ضمان ؛ وإلا فلا ضمان أيضا على الجديد الأظهر . ونقل البغوي عن أبي إسحاق أنه إن لم يأذن أهل المحلة ضمن .

                                                                                                                                                                        قلت : قال البغوي : ومثل هذا لو وضع دنا على بابه ليشرب الناس منه ؛ فإن وضعه بإذن الإمام ، لم يضمن ما تلف به ، وإلا فوجهان ، يعني أصحهما لا ضمان ؛ بخلاف ما لو بنى دكة على باب داره فهلك بها شيء ؛ فإنه يضمن ؛ لأنه فعله لمصلحة نفسه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية