الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا النِّكَاحُ فَإِذَا كَانَتْ تُؤْثِرُ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَلَهَا إِذْنٌ صَحِيحٌ ، فَالْأَمِيرُ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَعْلَمُ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنِهَا صُمَاتُهَا » ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ، وَلَا الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرُ » . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [الْبَقَرَةِ :232] نَزَلَتْ فِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ لَمَّا مَنَعَ أُخْتَهُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجِهَا الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : «يَا عَلِيُّ! ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرُهُنَّ : الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ ، وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ ، وَالْأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤًا » . فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْأَيِّمَ إِذَا وُجِدَ لَهَا كُفُؤٌ أَنْ لَا تُؤَخَّرُ . وَلِهَذَا خَطَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْضَ بَنَاتِ أَخِيهِ وَهُوَ يَتَعَرَّقُ لَحْمًا ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ الْعِرْقِ طَاعَةً لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُوهُ عَنْ جَدِّهِ . وَإِذَا كَانَ قَدْ أَمَرَ بِأَنَّ الْأَيِّمَ لَا تُؤَخَّرُ عِنْدَ وُجُودِ الْكُفُؤِ ، وَأَمَرَ أَنْ لَا تُزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، فَدَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ إِذَا طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِمَنْ عَيَّنَتْهُ إِذَا كَانَ كُفُؤًا ، وَأَلَّا يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِهِ ، وَالْوَلِيُّ هُوَ الْعَمُّ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ عَلَى ذَلِكَ . وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ عَضْلُ الْمَرْأَةِ إِذَا طَلَبَتِ النِّكَاحَ مِنْ كُفُؤٍ ، وَأَنَّهَا لَا يُجْبِرُهَا مَنْ سِوَى الْأَبِ وَالْجَدِّ إِذَا كَانَ لَهَا إِذْنٌ ، وَفِي الْأَبِ وَالْجَدِّ تَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ . وَهُمْ قَدْ طَلَبُوا مِنَ الْأَمِيرِ الْمُعَاوَنَةَ عَلَى ذَلِكَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَرِّ وَالْقُرْبَةِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ . وَاللَّهُ يُوَفِّقُ الْأَمِيرَ لِصَالِحِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ . وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، وَعَلَى مَنْ تُحِيطُ بِهِ عِنَايَتُكُمْ ، وَعَلَى سَائِرِ الْإِخْوَانِ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا . (كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَاجِّ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي الْحُكْمِ فِي تَزْوِيجِ الْبِنْتِ الْيَتِيمَةِ وَغَيْرِهَا ، وَاسْتِشْهَادِهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ بِرَحْمَتِكَ يَا كَرِيمُ يَا عَظِيمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحَ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ » ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ إِذْنُهَا ؟ قَالَ : «أَنْ تَسْكُتَ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا » . وَفِي رِوَايَةٍ : «وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا ، وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «نَعَمْ ، تُسْتَأْمَرُ » . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : فَإِنَّهَا تَسْتَحِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ » . وَعَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُفْتِي تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ الشَّيْخِ لِلْإِمَامِ الْعَالِمِ شِهَابِ الدِّينِ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَاتِبُ الْخَطِّ الْمَنْقُولِ مِنْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ : فَالْمَرْأَةُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ كَرِهَتْ ذَلِكَ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ إِلَّا الصَّغِيرَةَ الْبِكْرَ ، فَإِنَّ أَبَاهَا يُزَوِّجُهَا وَلَا إِذْنَ . وَأَمَّا الْبَالِغُ الثَّيِّبُ فَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، لَا لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ ، بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ الْبَالِغُ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا بِدُونِ إِذْنِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية