الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

الحروف والأصوات المكتوبة والمسموعة -سواء جمع الوصفين كالحرف المسموع ، أو أحدهما كالحرف المكتوب والصوت الذي ليس بحرف- إذا كانت متعلقة بالدين فلا تخلو عن ثلاثة أقسام :

إما أن تكون سببا للإيمان .

وإما أن تكون سببا للكفر .

وإما أن تكون مجملة تصلح لهذا ولهذا .

فالأول كلام الله وكلام رسله وأنبيائه وخلفائهم بلفظه ومعناه ، فإن السامع إذا سمع القرآن كان سماعه سببا للهدى ، فيوجب الهدى إذا لم يكن مانع . وإذا نظر فيه وتدبره كان ناظرا في دليل هاد يوصله إلى العلم والمعرفة إذا كان النظر صحيحا . فأهل النظر من أهل العلم والكلام إذا كان نظرهم فيه وكلامهم منه اهتدوا ، وأهل السماع والوجد إذا كان سماعهم له ووجدهم به رشدوا ؛ ولهذا حض سبحانه على تدبره وعلى سماعه ، فهو أحسن الحديث وخير الكلام ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «زينوا القرآن بأصواتكم » ، وقال : (لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت [ ص: 133 ] بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته » .

وأما النوع الثاني فالكلام المتضمن للكفر والنفاق ، لا سيما إذا زخرف بالعبارات والشبهات ، وحسن باللحون والأصوات ، من نظم ونثر ، مثل كلام القرامطة والإسماعيلية ، وكلام التلمساني نظمه ونثره ، وكلام ابن سبعين والبلياني وغيرهم من الملاحدة ؛ فإن حروفهم سبب لاعتقاد الضلال ، وهو اعتقاد أن الله هو المخلوقات ، وأنه ليس وراء المخلوق خالق خلقه متميز عنه ، كحقيقة قول فرعون والقرامطة من جحود خالق الخلق ؛ لكن فرعون نفاه بقوله ظاهرا وباطنا ، فهو أكفر من هذا الوجه ، ومن جهة أنه كان معاندا جاحدا . وهؤلاء قد يكون أحدهم ضالا يعتقد أنه على هدى . ففرعون أكفر منهم من جهة أنه نفاه مطلقا ، وأنه كان معاندا في نفيه وجحوده مستكبرا عليه .

وهؤلاء قد يكون أحدهم مقرا بوجوده ومعتقدا أنه هو الذي يثبته ، ويحسب أنه مهتد في ذلك وأن هذا هو دين الأنبياء ، لكن هؤلاء أضر على الأمة من فرعون ؛ لأنهم يرون أن هذا دين الأنبياء . وفرعون كان [ ص: 134 ] أعلم منهم ، لكن علمه ضار ، فإنه كان مستيقنا بأن للعالمين رب ، كما قال له موسى : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا [الإسراء :102] ، لكن كان مع علمه معاندا ، فهو أصح منهم علما وأعظم كفرا وعنادا . وهؤلاء أضر منه على الأمة لكن فيهم نوع من الإيمان والإقرار . وقد يكون لما جحد فرعون فهم ضالون لا جاحدون .

وهؤلاء أقروا باسمه وبالتعبد له ، وجعلوه هو المخلوقات ، وهي إياه ، وصرحوا بأن من عبد الشمس والقمر والطواغيت فما عبد إلا الله ، ولا يتصور أن يعبد إلا الله ، وأن العابد هو المعبود ولكن دار على نفسه . وزعموا أنه هو الذي جاءت به الرسل والأنبياء وكبار العارفين ، فهم من هذا الوجه أضر على الناس من فرعون . كما يذكره ابن العربي في «فصوص الحكم » ، ويذكره القونوي في «مفتاح غيب الجمع والوجود » ، وكما يذكره العفيف في «شرح الأسماء الحسنى » وفي «شرح قصيدة ابن الفارض » وفي أشعاره . وإن كان ابن العربي يرى أن المعدوم شيء ثابت في العدم ، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والرافضة ، ويرى أن عين وجود الحق فاض عليهم ، فيرى أن وجود الكائنات عين وجود الحق ، وأن الناكح هو المنكوح ، والشاتم هو المشتوم . وكما قال بعضهم : من قال لك إن في الكون سوى الله فقد كذب ، فقال له صاحبه : من الذي كذب ؟ [ ص: 135 ] وقد يبتلى ببعض ذلك حالا بعض جهال المتصوفة والمتعبدة ، فإنهم لما توجهوا بقلوبهم إلى الله وذكروه وأحبوه شهدت قلوبهم الوجود العام بالمخلوقات الصادر عن الحق الذي خلق السموات والأرض ، فاعتقدوا أن هذا الحق المخلوق هو الحق الخالق ، فأشبهوا من بعض الوجوه من رأى شعاع الشمس فظن أنها هي الشمس ، أو رأى الظل فظن أنه الشخص .

وأما صاحبه الصدر الرومي فيرى أن الله هو الوجود المطلق الساري في الكائنات ، لا يفرق بين الوجود والماهية ، ولا الفائض والمفيض عنه ، لكن ليس هو عين كل موجود ، فإن المطلق ليس هو المعين . وهذا تعطيل محض ، وهو حقيقة مذهب فرعون والقرامطة . وأما الأول ففيه قسط من ذلك .

وصاحبه التلمساني ونحوه لا يفرق بين مطلق ومعين ، ولا بين وجود وماهية ، بل عنده أن نفس الأكوان هي الله ، وهي أجزاء منه وأبعاض له ، بمنزلة أمواج البحر مع البحر ، وأجزاء البيت من البيت .


فما البحر إلا الموج لا شيء غيره . . . وإن فرقته كثرة المتعدد



فهؤلاء في الكفر الصريح ، وهم أهل الإلحاد والاتحاد العام ، بخلاف من قال بالاتحاد الخاص المقيد في نبي أو غير نبي ، كالنصارى وغالية الرافضة وغالية جهال المتعبدة من الحلاجية واليونسية وبعض العدوية [ ص: 136 ] والحاكمية وغيرهم ؛ فإن هؤلاء يقولون بالاتحاد المعين المقيد .

التالي السابق


الخدمات العلمية