الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والله سبحانه أمر مع أكل الطيبات بالشكر ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون [البقرة :172] ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ، ويشرب الشربة فيحمده عليها » . وفي الأثر : «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » . رواه ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قال تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن [ ص: 244 ] النعيم [التكاثر :8] لما أضاف النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أبو الهيثم ابن التيهان ، وجلسوا في الظل ، وأطعمهم الفاكهة واللحم ، وسقاهم الماء البارد ، قال : «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .

والسؤال عنه لطلب شكره ، لا إثم فيه ، فالله تعالى يطلب من عباده شكر نعمه ، وعليه أن لا يستعين بطاعته على معصيته ، فإذا ترك ما وجب عليه في نعمته من حق ، واستعان بها على محرم كان فعله بها وتركه لما فيها سببا للعذاب أيضا . فالعذاب استحقه بترك المأمور وفعل المحظور ، لا على النعمة التي هي من فعل الله تعالى ، وإن كان فعله وتركه بقضاء الله وقدره ، بعلمه ومشيئته وقدرته وخلقه . فإن حقيقة الأمر أنه نعم العبد تنعيما ، وكان ذلك التنعيم سببا لتعذيبه أيضا ، فقد اجتمع في حقه تنعيم وتعذيب ، ولكن التعذيب إنما كان بسبب معصيته ، حيث لم يؤد حق النعمة ، ولم يتق الله فيها .

وعلى هذا فهذه التنعيمات هي نعمة من وجه دون وجه ، فليست من النعم المطلقة ، ولا هي خارجة عن جنس النعم مطلقها ومقيدها ، فباعتبار ما فيها من التنعيم يصلح أن يطلب حقها من الشكر وغيره ، وينهى عن استعمالها في المعصية ، فتكون نعمة في باب الأمر والنهي والوعد والوعيد ، وباعتبار أن صاحبها يترك فيها المأمور ويفعل بها [ ص: 245 ] المحظور الذي يربي عذابه على نعيمها ، كانت وبالا عليه ، وكاد أن لا يكون ذلك في حقه خيرا له من أن يكون ، فليست نعمة في حقه في باب القضاء والقدر والخلق والمشيئة العامة ، وإن كان ذلك يكون نعمة في حق عموم الخلق والمؤمنين . وعلى هذا يظهر ما تقدم من خبر الله بأن ذلك استدراج ومكر وإملاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية