الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 258 ] والحق الذي يجب اعتقاده أن الله سبحانه إنما أرسل رسوله رحمة للعالمين ، وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة عامة للخلق [أعم] من إنزال المطر وإطلاع الشمس ، وإن حصل بهذه الرحمة تضرر بعض النفوس .

ثم إنه سبحانه وتعالى كما قال قتادة وغيره من السلف : لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه ، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به ، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ، ونهاهم عما فيه فسادهم . وفي الحديث الصحيح حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : «يقول الله تعالى : يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة ، يا عبادي! إنما [ ص: 259 ] هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » .

وقد قال تعالى في وصف النبي الأمي : يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [الأعراف :157] . وقال تعالى لما ذكر الوضوء : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون [المائدة :6] . فأخبر أنه لا يريد أن يجعل علينا من حرج فيما أمرنا به ، وهذا نكرة مؤكدة بحرف «من » ، فهي تنفي كل حرج ، وأخبر أنه إنما يريد تطهيرنا وإتمام نعمته علينا .

وقال في الآية الأخرى : وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم [الحج :78] . فقد أخبر أنه ما جعل علينا في الدنيا من حرج نفيا عاما مؤكدا .

فمن اعتقد أن فيما أمر الله به مثقال ذرة من حرج فقد كذب الله ورسوله ، فكيف بمن اعتقد أن المأمور به قد يكون فسادا وضررا لا منفعة فيه ولا مصلحة لنا . ولهذا لما لم يكن فيما أمر الله به ورسوله حرج علينا لم يكن الحرج في ذلك إلا من النفاق ، كما قال تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا [ ص: 260 ] في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء :65] . وقال فيما أمر به من الصيام : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة :185] . فإذا كان لا يريد فيما أمرنا به ما يعسر علينا ، فكيف يريد ما يكون ضررا وفسادا لنا بما أمرنا به إذا أطعناه فيه ؟

التالي السابق


الخدمات العلمية