الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة آل عمران

قال تعالى : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) ( 194 ) .

قوله تعالى : ( على رسلك ) : أي : على ألسنة رسلك ، و " على " متعلقة بوعدتنا . ويجوز أن يكون بآتنا و ( الميعاد ) : مصدر بمعنى الوعد .

[ ص: 253 ] قال تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب ) ( 195 ) .

قوله تعالى : ( عامل منكم ) : منكم : صفة لعامل . و ( من ذكر أو أنثى ) : بدل من " منكم " وهو بدل الشيء من الشيء ، وهما لعين واحدة . ويجوز أن يكون من ذكر أو أنثى صفة أخرى لعامل يقصد بها الإيضاح . ويجوز أن يكون من ذكر حالا من الضمير في منكم تقديره : استقر منكم كائنا من ذكر أو أنثى . و ( بعضكم من بعض ) : مستأنف . ويجوز أن يكون حالا أو صفة . ( فالذين هاجروا ) : مبتدأ ، و ( لأكفرن ) : وما اتصل به الخبر ، وهو جواب قسم محذوف . ( ثوابا ) : مصدر ، وفعله دل عليه الكلام المتقدم ؛ لأن تكفير السيئات إثابة فكأنه قال لأثيبنكم ثوابا ، وقيل : هو حال وقيل : تمييز وكلا القولين كوفي .

والثواب بمعنى الإثابة ، وقد يقع بمعنى الشيء المثاب به ، كقولك هذا الدرهم ثوابك ، فعلى هذا يجوز أن يكون حالا من الجنات ؛ أي : مثابا بها ، أو حالا من ضمير المفعول في لأدخلنهم ؛ أي : مثابين .

ويجوز أن يكون مفعولا به ؛ لأن معنى أدخلنهم أعطينهم فيكون على هذا بدلا من جنات ، ويجوز أن يكون مستأنفا ؛ أي : يعطيهم ثوابا .

قال تعالى : ( متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) ( 197 ) .

قوله تعالى : ( متاع قليل ) : أي تقلبهم متاع ، فالمبتدأ محذوف .

قال تعالى : ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار ) ( 198 ) .

قوله تعالى : ( لكن الذين اتقوا ) : الجمهور على تخفيف النون . وقرئ بتشديدها والإعراب ظاهر . ( خالدين فيها ) : حال من الضمير في لهم ، والعامل معنى الاستقرار ، وارتفاع " جنات " بالابتداء وبالجار . ( نزلا ) : مصدر ، وانتصابه بالمعنى ؛ لأن معنى لهم جنات ؛ أي : نزلهم وعند الكوفيين هو حال أو تمييز . ويجوز أن يكون جمع نازل كما قال الأعشى : [ ص: 254 ] أو ينزلون فإنا معشر نزل وقد ذكر ذلك أبو علي في التذكرة ، فعلى هذا يجوز أن يكون حالا من الضمير في خالدين . ويجوز إذا جعلته مصدرا أن يكون بمعنى المفعول ، فيكون حالا من الضمير المجرور في فيها ؛ أي : منزولة . ( من عند الله ) : إن جعلت نزلا مصدرا كان من عند الله صفة له وإن جعلته جمعا ففيه وجهان : أحدهما : هو حال من المفعول المحذوف ؛ لأن التقدير : نزلا إياها . والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : ذلك من عند الله ؛ أي بفضله . ( من عند الله ) : ما بمعنى الذي وهو مبتدأ وفي الخبر وجهان : أحدهما : هو خير و " للأبرار " نعت لـ ( خير ) . والثاني : أن يكون الخبر ( للأبرار ) ، والنية به التقديم ؛ أي : والذي عند الله مستقر للأبرار ، وخير على هذا خبر ثان .

وقال بعضهم : للأبرار حال من الضمير في الظرف ، و ( خير ) خبر المبتدأ ، وهذا بعيد ؛ لأن فيه الفصل بين المبتدأ والخبر بحال لغيره ، والفصل بين الحال وصاحب الحال بخبر المبتدأ ، وذلك لا يجوز في الاختيار .

قال تعالى : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) ( 199 ) .

قوله تعالى : ( لمن يؤمن ) : " من " في موضع نصب اسم إن ومن نكرة موصوفة أو موصولة .

و ( خاشعين ) : حال من الضمير في يؤمن ، وجاء جمعا على معنى " من " . ويجوز أن يكون حالا من الهاء والميم في إليهم فيكون العامل أنزل . و ( لله ) : متعلق بخاشعين ، وقيل : هو متعلق بقوله : " لا يشترون " وهو في نية التأخير ؛ أي : لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا لأجل الله . ( أولئك ) : مبتدأ ، و " لهم أجرهم " فيه أوجه : أحدها : أن قوله لهم خبر أجر ، والجملة خبر الأول ؛ و " عند ربهم " ظرف للأجر ؛ لأن التقدير : لهم أن يؤجروا عند ربهم ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في لهم وهو ضمير الأجر ، والآخر : أن يكون الأجر مرتفعا بالظرف ارتفاع الفاعل بفعله ، فعلى هذا يجوز أن يكون عند ظرفا للأجر ، وحالا منه . والوجه الثالث : أن يكون أجرهم مبتدأ ، وعند ربهم خبره ، ويكون لهم يتعلق بما دل عليه الكلام من الاستقرار والثبوت ؛ لأنه في حكم الظرف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث