الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ( 93 ) ) .

قوله تعالى : ( في قلوبهم العجل ) : أي حب العجل ، فحذف المضاف ; لأن الذي يشربه القلب المحبة لا نفس العجل .

( بكفرهم ) : أي بسبب كفرهم .

ويجوز أن يكون حالا من المحذوف ; أي مختلطا بكفرهم .

( وأشربوا ) : في موضع الحال ، والعامل فيه قالوا ; أي قالوا ذلك وقد أشربوا ، وقد مرادة ; لأن الفعل الماضي لا يكون حالا إلا مع قد . وقال الكوفيون : لا يحتاج إليها .

ويجوز أن يكون وأشربوا مستأنفا ; والأول أقوى ; لأنه قد قال بعد ذلك : ( قل بئسما يأمركم ) ; فهو جواب قولهم : ( سمعنا وعصينا ) ; فالأولى أن لا يكون بينهما أجنبي .

قال تعالى : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ( 94 ) ) .

قوله تعالى : ( إن كانت لكم الدار ) : الدار : اسم كان ، وفي الخبر ثلاثة أوجه : أحدها : هو خالصة ، وعند ظرف لخالصة ، أو للاستقرار الذي في لكم .

ويجوز أن تكون " عند " حالا من الدار ، والعامل فيها كان أو الاستقرار ، وأما لكم فتكون على هذا متعلقة بـ ( كان ) ; لأنها تعمل في حروف الجر .

[ ص: 81 ] ويجوز أن تكون للتبيين ، فيكون موضعها بعد خالصة ; أي خالصة لكم فيتعلق بنفس خالصة . ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف .

والوجه الثاني : أن يكون خبر كان لكم ، وعند الله ظرف وخالصة حال ، والعامل كان ، أو الاستقرار . والثالث : أن يكون عند الله هو الخبر ، وخالصة حال ، والعامل فيها إما " عند " أو ما يتعلق به أو " كان " أو " لكم " وسوغ أن يكون " عند " خبر كان " لكم " إذ كان فيه تخصيص وتبيين ونظيره قوله : ( ولم يكن له كفوا أحد ) [ الإخلاص : 4 ] ; لولا له لم يصح أن يكون كفوا خبرا . ( من دون ) : في موضع نصب بخالصة ; لأنك تقول خلص كذا من كذا .

قال تعالى : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ( 95 ) ) .

قوله تعالى : ( أبدا ) : ظرف . ( بما قدمت ) : أي بسبب ما قدمت ، فهو مفعول به ويقرب معناه من معنى المفعول له . و ( ما ) بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة ، أو مصدرية ، فيكون مفعول قدمت محذوفا ; أي بتقديم أيديهم الشر .

قال تعالى : ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ( 96 ) ) .

قوله تعالى : ( ولتجدنهم ) : هي المتعدية إلى مفعولين ، والثاني " أحرص " و " على " متعلقة بأحرص . ( ومن الذين أشركوا ) : فيه وجهان : أحدهما : هي معطوفة على الناس في المعنى ، والتقدير : أحرص من الناس أي الذين في زمانهم ، وأحرص من الذين أشركوا يعني به المجوس ; لأنهم كانوا إذا دعوا بطول العمر قالوا : عشت ألف نيروز ، فعلى هذا في : ( يود ) وجهان : أحدهما : هو حال من الذين أشركوا ، تقديره : ود أحدهم ، ويدلك على ذلك أنك لو قلت : ومن الذين أشركوا الذين يود أحدهم ، صح أن يكون وصفا ، ومن هنا قال الكوفيون : هذا يكون على حذف الموصول وإبقاء الصلة .

والوجه الثاني : أن تجعل يود أحدهم حالا من الهاء والميم في ولتجدنهم ; أي لتجدنهم أحرص الناس وادا أحدهم . والوجه الثاني من وجهي " من الذين " أن يكون مستأنفا ، والتقدير : ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم أو من يود أحدهم .

وماضي يود وددت بكسر العين ; فلذلك صحت الواو ; لأنها لم يكسر ما بعدها في [ ص: 82 ] المستقبل ( لو يعمر ) : لو هنا بمعنى أن الناصبة للفعل ، ولكن لا تنصب ، وليست التي يمتنع بها الشيء لامتناع غيره ; ويدلك على ذلك شيئان : أحدهما : أن هذه يلزمها المستقبل ، والأخرى معناها في الماضي .

والثاني أن : يود يتعدى إلى مفعول واحد ، وليس مما يعلق عن العمل ، فمن هنا لزم أن يكون لو بمعنى أن وقد جاءت بعد ( ( يود ) ) في قوله تعالى : ( أيود أحدكم أن تكون له جنة ) [ البقرة : 266 ] ; وهو كثير في القرآن والشعر . ويعمر يتعدى إلى مفعول واحد ، وقد أقيم مقام الفاعل .

و ( ألف سنة ) : ظرف . ( وما هو بمزحزحه ) : في هو وجهان : أحدهما : هو ضمير أحد ; أي وما ذلك المتمني . بمزحزحه خبر ما . و " من العذاب " معلق بمزحزحه ، و " أن يعمر " في موضع رفع بمزحزحه ; أي [ وما الرجل بمزحزحه ] تعميره . والوجه الآخر : أن يكون هو ضمير التعمير ، وقد دل عليه قوله : " لو يعمر " .

وقوله : أن يعمر بدل من هو . ولا يجوز أن يكون هو ضمير الشأن ; لأن المفسر لضمير الشأن مبتدأ وخبر ، ودخول الباء في بمزحزحه يمنع من ذلك .

قال تعالى : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ( 97 ) ) .

قوله تعالى : ( من كان عدوا لجبريل ) [ البقرة : 87 ] من شرطية ، وجوابها محذوف تقديره فليمت غيظا أو نحوه . ( فإنه نزله ) : ونظيره في المعنى : ( من كان يظن أن لن ينصره الله ) [ الحج : 15 ] ثم قال : ( ( فليمدد ) ) : ( ( بإذن الله ) ) في موضع الحال من ضمير الفاعل في نزل ; وهو ضمير جبريل ، وهو العائد على اسم إن ، والتقدير : نزوله ومعه الإذن أو مأذونا به .

[ ص: 83 ] ( مصدقا ) : حال من الهاء في نزله ; و كذلك : " هدى وبشرى " ; أي هاديا ومبشرا .

التالي السابق


الخدمات العلمية