الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ( 21 ) ) .

قوله تعالى : ( ياأيها الناس ) : أي اسم مبهم لوقوعه على كل شيء أتي به في النداء توصلا إلى نداء ما فيه الألف واللام إذا كانت ( ( يا ) ) لا تباشر الألف واللام ، وبنيت لأنها اسم مفرد مقصود ، وها مقحمة للتنبيه ; لأن الأصل أن تباشر ( ( يا ) ) الناس ، فلما حيل بينهما بأي ، عوض من ذلك ( ( ها ) ) ، والناس وصف لأي لا بد منه ; لأنه المنادى في المعنى ، ومن هاهنا رفع ; ورفعه أن يجعل بدلا من ضمة البناء ، وأجاز المازني نصبه كما يجيز يا زيد الظريف ، وهو ضعيف لما قدمنا من لزوم ذكره ، والصفة لا يلزم ذكرها . ( من قبلكم ) : من هنا لابتداء الغاية في الزمان ، والتقدير : والذين خلقهم من قبل خلقكم ; [ ص: 38 ] فحذف الخلق ، وأقام الضمير مقامه . ( لعلكم ) : متعلق في المعنى بـ ( اعبدوا ) ; أي اعبدوا ليصح منكم رجاء التقوى ; والأصل توتقيون ; فأبدل من الواو تاء ، وأدغمت في التاء الأخرى ، وسكنت الياء ، ثم حذفت ، وقد تقدمت نظائره فوزنه الآن تفتعون .

قال تعالى : ( الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ( 22 ) ) .

قوله تعالى : ( الذي جعل ) : هو في موضع نصب بـ ( تتقون ) ، أو بدل من ربكم ، أو صفة مكررة ، أو بإضمار أعني .

ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار هو الذي ، وجعل هنا متعد إلى مفعول واحد ، وهو الأرض . ( فراشا ) حال ، ومثله : ( والسماء بناء ) .

ويجوز أن يكون جعل بمعنى صير ، فيتعدى إلى مفعولين ، وهما الأرض وفراشا ، ومثله : والسماء بناها . ( ولكم ) متعلق بـ ( جعل ) ; أي لأجلكم . ( من السماء ) : متعلق بأنزل ، وهي لابتداء غاية المكان .

ويجوز أن يكون حالا . والتقدير : ماء كائنا من السماء ; فلما قدم الجار صار حالا ، وتعلق بمحذوف ، والأصل في ماء موه ; لقولهم : ماهت الركية تموه ، وفي الجمع أمواه ، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ، ثم أبدلوا من الهاء همزة وليس بقياس .

( من الثمرات ) : متعلق بأخرج ، فيكون ( ( من ) ) لابتداء الغاية ، ويجوز أن يكون في موضع الحال ، تقديره : رزقا كائنا من الثمرات .

و ( لكم ) : أي من أجلكم . والرزق هنا بمعنى المرزوق ، وليس بمصدر .

( فلا تجعلوا ) : أي لا تصيروا ، أو لا تسموا ، فيكون متعديا إلى مفعولين .

والأنداد : جمع ند ونديد . ( وأنتم تعلمون ) : مبتدأ وخبر في موضع الحال . ومفعول تعلمون محذوف ; أي تعلمون بطلان ذلك .

والاسم من أنتم ( ( أن ) ) ، والتاء للخطاب ، والميم للجمع ، وهما حرفا معنى .

قال تعالى : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ( 23 ) ) .

[ ص: 39 ] قوله تعالى : ( وإن كنتم ) : جواب الشرط ( ( فأتوا بسورة ) ) . و ( ( إن كنتم صادقين ) ) شرط أيضا جوابه محذوف أغنى عنه جواب الشرط الأول ; أي إن كنتم صادقين فافعلوا ذلك . ولا تدخل إن الشرطية على فعل ماض في المعنى ; إلا على كان لكثرة استعمالها ، وأنها لا تدل على حدث . ( مما نزلنا ) : في موضع جر صفة لريب ; أي ريب كائن مما نزلنا .

والعائد على ( ( ما ) ) محذوف أي نزلناه ، و ( ( ما ) ) بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة . ويجوز أن يتعلق ( ( من ) ) بريب ; أي إن ارتبتم من أجل ما نزلنا .

( فأتوا ) : أصله : ائتيوا ، وماضيه أتى ، ففاء الكلمة همزة ; فإذا أمرت زدت عليها همزة الوصل مكسورة ، فاجتمعت همزتان والثانية ساكنة ، فأبدلت الثانية ياء لئلا يجمع بين همزتين ، وكانت الياء الأولى للكسرة قبلها ، فإذا اتصل بها شيء حذفت همزة الوصل استغناء عنها ، ثم همزة الياء لأنك أعدتها إلى أصلها لزوال الموجب لقلبها .

ويجوز قلب هذه الهمزة ألفا إذا انفتح ما قبلها مثل هذه الآية ، وياء إذا انكسر ما قبلها ; كقوله : الذي إيتمن ، فتصيرها ياء في اللفظ ، وواوا إذا انضم ما قبلها ; كقوله : يا صالح أوتنا . ومنهم من يقول : ذن لي . ( من مثله ) : الهاء تعود على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون من للابتداء ، ويجوز أن تعود على القرآن فتكون من زائدة ، ويجوز أن تعود على الأنداد بلفظ المفرد ; كقوله تعالى : ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ) [ النحل : 66 ] .

( وادعوا ) : لام الكلمة محذوف ; لأنه حذف في الواحد دليلا على السكون الذي هو جزم في المعرب ، وهذه الواو ضمير الجماعة .

( من دون الله ) : في موضع الحال من الشهداء ، والعامل فيه محذوف تقديره : شهداءكم منفردين عن الله ، أو عن أنصار الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية