الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ) ( 5 ) .

قوله تعالى : ( أموالكم التي ) : الجمهور على إفراد التي ؛ لأن الواحد من الأموال [ ص: 258 ] مذكر ؛ فلو قال اللواتي لكان جمعا ، كما أن الأموال جمع ، والصفة إذا جمعت من أجل أن الموصوف جمع كان واحدها كواحد الموصوف في التذكير والتأنيث . وقرئ في الشاذ اللواتي جمعا اعتبارا بلفظ الأموال . ( جعل الله ) : أي : صيرها ، فهو متعد إلى مفعولين ، والأول محذوف ، وهو العائد ، ويجوز أن يكون بمعنى خلق ، فيكون قياما حالا . ( قياما ) : يقرأ بالياء والألف ، وهو مصدر قام ، والياء بدل من الواو ، وأبدلت منها لما أعلت في الفعل ، وكانت قبلها كسرة ، والتقدير : التي جعل الله لكم سبب قيام أبدانكم ؛ أي : بقائها .

ويقرأ قيما - بغير ألف ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مصدر مثل الحول والعوض ، وكان القياس أن تثبت الواو لتحصنها بتوسطها ، كما صحت في الحول والعوض ، ولكن أبدلوها ياء حملا على " قيام " على اعتلالها في الفعل . والثاني : أنها جمع قيمة كديمة وديم ، والمعنى أن الأموال كالقيم للنفوس إذ كان بقاؤها بها ، وقال أبو علي : هذا لا يصح لأنه قد قرئ في قوله : ( دينا قيما ملة إبراهيم ) [ الأنعام : 161 ] ، وفي قوله : ( الكعبة البيت الحرام قياما ) [ المائدة : 97 ] ، ولا يصح معنى القيمة فيهما . والوجه الثالث : أن يكون الأصل قياما فحذفت الألف كما حذفت في خيم ، ويقرأ : قواما بكسر القاف ، وبواو وألف ، وفيه وجهان : أحدهما : هو مصدر قاومت قواما مثل لاوذت لواذا ، فصحت في المصدر لما صحت في الفعل . والثاني : أنها اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر . ويقرأ كذلك إلا أنه بغير ألف وهو مصدر صحت عينه ، وجاءت على الأصل كالعوض . ويقرأ بفتح القاف وواو وألف وفيه وجهان : أحدهما : هو اسم للمصدر مثل السلام والكلام والدوام . والثاني : هو لغة في القوام الذي هو بمعنى القامة ؛ يقال جارية حسنة القوام والقوام والتقدير : التي جعلها الله سبب بقاء قاماتكم .

( وارزقوهم فيها ) : فيه وجهان : أحدهما : أن " في " على أصلها ، والمعنى : اجعلوا لهم فيها رزقا . والثاني : أنها بمعنى من .

قال تعالى : ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) ( 6 ) .

[ ص: 259 ] قوله تعالى : ( حتى إذا بلغوا ) : حتى هاهنا غير عاملة ، وإنما دخلت على الكلام لمعنى الغاية ، كما تدخل على المبتدأ ؛ وجواب إذا " فإن آنستم " وجواب إن " فادفعوا " فالعامل في " إذا " ما يتلخص من معنى جوابها ؛ فالتقدير : إذا بلغوا راشدين فادفعوا . ( إسرافا وبدارا ) : مصدران مفعول لهما . وقيل : هما مصدران في موضع الحال ؛ أي : مسرفين ومبادرين ، والبدار مصدر بادرت ، وهو من باب المفاعلة التي تكون بين اثنين ؛ لأن اليتيم مار إلى الكبر ، والولي مار إلى أخذ ماله ، فكأنهما يستبقان .

ويجوز أن يكون " من واحد " . ( أن يكبروا ) مفعول بدار ؛ أي : بدارا كبرهم . ( وكفى بالله ) : في فاعل كفى وجهان : أحدهما : هو اسم الله ، والباء زائدة ، دخلت لتدل على معنى الأمر ، إذ التقدير : اكتف بالله . والثاني : أن الفاعل مضمر ، والتقدير : كفى الاكتفاء بالله ، فبالله على هذا في موضع نصب مفعولا به . و ( حسيبا ) : حال . وقيل : تمييز . وكفى يتعدى إلى مفعولين ، وقد حذفا هنا ؛ والتقدير : كفاك الله شرهم ، ونحو ذلك . والدليل على ذلك قوله : ( فسيكفيكهم الله ) [ البقرة : 137 ] .

قال تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) ( 7 ) .

قوله تعالى : ( قل منه ) : يجوز أن يكون بدلا " مما ترك " ويجوز أن يكون حالا من الضمير المحذوف في ترك ؛ أي : مما تركه قليلا أو كثيرا أو مستقرا مما قل . ( نصيبا ) : قيل : هو واقع موقع المصدر ، والعامل فيه معنى ما تقدم ، إذ التقدير : عطاء أو استحقاقا .

وقيل : هو حال مؤكدة ؛ والعامل فيها معنى الاستقرار في قوله : " للرجال نصيب " ، ولهذا حسنت الحال عنها . وقيل : هو حال من الفاعل في قل ، أو كثر . وقيل : هو مفعول لفعل محذوف تقديره : أوجب لهم نصيبا . وقيل : هو منصوب على إضمار أعني .

قال تعالى : ( وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ) ( 8 ) .

قوله تعالى : ( فارزقوهم منه ) : الضمير يرجع إلى المقسم ؛ لأن ذكر القسمة عدل عليه .

قال تعالى : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) ( 9 ) .

قوله تعالى : ( من خلفهم ) : يجوز أن يكون ظرفا لتركوا ، وأن يكون حالا من [ ص: 260 ] " ذرية " . ( ضعافا ) : يقرأ بالتفخيم على الأصل ، وبالإمالة لأجل الكسرة ، وجاز ذلك مع حرف الاستعلاء ؛ لأنه مكسور مقدم ففيه انحدار . ( خافوا ) : يقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة ؛ لأن الخاء تنكسر في بعض الأحوال وهو خفت ، وهو جواب لو ومعناها إن .

التالي السابق


الخدمات العلمية