الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) ( 62 ) .

قوله تعالى : ( والله ورسوله ) : مبتدأ ، و ( أحق ) : خبره ، والرسول مبتدأ ثان ، وخبره [ ص: 482 ] محذوف دل عليه خبر الأول ، وقال سيبويه : أحق خبر الرسول ، وخبر الأول محذوف ، وهو أقوى إذ لا يلزم منه التفريق بين المبتدأ وخبره ، وفيه أيضا أنه خبر الأقرب إليه ، ومثله قول الشاعر :

نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ـدك راض والرأي مختلف

.

وقيل : " أحق أن يرضوه " خبر عن الاسمين ؛ لأن أمر الرسول تابع لأمر الله تعالى ، ولأن الرسول قائم مقام الله ؛ بدليل قوله تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) [ الفتح : 10 ] ، وقيل : أفرد الضمير وهو في موضع التثنية ، وقيل : التقدير : أن ترضوه أحق ، وقد ذكرناه في قوله : ( فالله أحق أن تخشوه ) [ التوبة : 13 ] . وقيل : التقدير : أحق بالإرضاء .

قال تعالى : ( ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم ) ( 63 ) .

قوله تعالى : ( ألم يعلموا ) : يجوز أن تكون المتعدية إلى مفعولين ، وتكون " أنه " وخبرها سد مسد المفعولين .

ويجوز أن تكون المتعدية إلى واحد . و " من " شرطية موضع مبتدأ ، والفاء جواب الشرط ؛ فأما " أن " الثانية فالمشهور فتحها ، وفيها أوجه : أحدها : أنها بدل من الأولى ، وهذا ضعيف لوجهين : أحدهما : أن الفاء التي معها تمنع من ذلك ، والحكم بزيادتها ضعيف . والثاني : أن جعلها بدلا يوجب سقوط جواب " من " من الكلام . والوجه الثاني : أنها كررت توكيدا ؛ كقوله تعالى : ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ) [ النحل : 119 ] ثم قال : " إن ربك من بعدها " ، والفاء على هذا جواب الشرط . والثالث : أن " أن " هاهنا مبتدأ ، والخبر محذوف ؛ أي : فلهم أن لهم . والرابع : أن تكون خبر مبتدأ محذوف ؛ أي فجزاؤهم أن لهم ، أو فالواجب لهم ، ويقرأ بالكسر على الاستئناف .

قال تعالى : ( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ) ( 64 ) .

قوله تعالى : ( أن تنزل ) : في موضع نصب بيحذر على أنها متعدية بنفسها ، ويجوز أن يكون بحرف الجر ؛ أي : من أن تنزل ، فيكون موضعه نصبا ، أو جرا على ما ذكرنا من اختلافهم في ذلك .

قال تعالى : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ) ( 65 ) .

[ ص: 483 ] قوله تعالى : ( أبالله ) : الباء متعلقة بـ " تستهزئون " ، وقد قدم معمول خبر كان عليها ، فيدل على جواز تقديم خبرها عليها .

قال تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ) ( 67 ) .

قوله تعالى : ( بعضهم من بعض ) : مبتدأ وخبر ؛ أي : بعضهم من جنس بعض في النفاق .

( يأمرون بالمنكر ) : مستأنف مفسر لما قبلها .

قال تعالى : ( كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) ( 69 ) .

قوله تعالى : ( كالذين ) : الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف ، وفي الكلام حذف مضاف تقديره : وعدا كوعد الذين .

( كما استمتع ) : أي استمتاعا كاستمتاعهم .

( كالذي خاضوا ) : الكاف في موضع نصب أيضا . وفي " الذي " وجهان : أحدهما : أنه جنس ، والتقدير : خوضا كخوض الذين خاضوا ، وقد ذكر مثله في قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد ) [ البقرة : 17 ] . والثاني : أن " الذي " هنا مصدرية ؛ أي : كخوضهم ، وهو نادر .

التالي السابق


الخدمات العلمية