الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الأنعام

[ ص: 360 ] قال تعالى : ( قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ) ( 14 ) .

قوله تعالى : ( أغير الله ) : مفعول أول لـ " أتخذ " و " وليا " الثاني .

ويجوز أن يكون " أتخذ " متعديا إلى واحد ، وهو " وليا " ، و " غير الله " صفة له قدمت عليه ، فصارت حالا ، ولا يجوز أن تكون غير هنا استثناء .

( فاطر السماوات ) : يقرأ بالجر ، وهو المشهور ، وجره على البدل من اسم الله ، وقرئ شاذا بالنصب ، وهو بدل من ولي ، والمعنى على هذا أجعل فاطر السماوات والأرض غير الله .

ويجوز أن يكون صفة لولي ، والتنوين مراد ، وهو على الحكاية ؛ أي : فاطر السماوات .

( وهو يطعم ) : بضم الياء وكسر العين ؛ " ولا يطعم " بضم الياء وفتح العين ، وهو المشهور ، ويقرأ " ولا يطعم " بفتح الياء والعين ، والمعنى على القراءتين يرجع على الله .

وقرئ في الشاذ : " وهو يطعم " بفتح الياء والعين ، ولا يطعم بضم الياء وكسر العين ، وهذا يرجع إلى الولي الذي هو غير الله . ( من أسلم ) : أي أول فريق أسلم .

( ولا تكونن ) : أي : وقيل لي : لا تكونن ، ولو كان معطوفا على ما قبله لقال وأن لا أكون .

قال تعالى : ( من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ) ( 16 ) .

قوله تعالى : ( من يصرف عنه ) : يقرأ بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله ، وفي القائم مقام الفاعل وجهان : أحدهما : : يومئذ ؛ أي : من يصرف عنه عذاب يومئذ ، فحذف المضاف ، ويومئذ مبني على الفتح .

والثاني : أن يكون مضمرا في " يصرف " يرجع إلى العذاب ، فيكون يومئذ ظرفا لـ " يصرف " ، أو للعذاب ، أو حالا من الضمير .

ويقرأ بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل ؛ أي : من يصرف الله عنه العذاب ، فمن على هذا مبتدأ ؛ والعائد عليه الهاء في عنه . وفي " رحمه " ، والمفعول محذوف وهو العذاب .

[ ص: 361 ] ويجوز أن يكون المفعول " يومئذ " أي : عذاب يومئذ .

ويجوز أن تجعل " من " في موضع نصب بفعل محذوف ، تقديره : من يكرم يصرف الله عنه العذاب ، فجعلت " يصرف " تفسيرا للمحذوف ، ومثله ( فإياي فارهبون ) [ البقرة : 40 ] ، ويجوز أن ينصب من يصرف ، وتجعل الهاء في عنه للعذاب ؛ أي : أي إنسان يصرف الله عنه العذاب فقد رحمه ، فأما " من " على القراءة الأولى فليس فيها إلا الرفع على الابتداء ، والهاء في عنه يجوز أن ترجع على " من " وأن ترجع على العذاب .

قال تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ) ( 17 ) .

قوله تعالى : ( فلا كاشف له ) : " له " خبر كاشف . ( إلا هو ) : بدل من موضع " لا كاشف " أو من الضمير في الظرف ، ولا يجوز أن يكون مرفوعا بكاشف ، ولا بدلا من الضمير فيه ؛ لأنك في الحالين تعمل اسم " لا " ومتى أعملته ظاهرا نونته .

قال تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ) ( 18 ) .

قوله تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ) : هو مبتدأ والقاهر خبره وفي " فوق " وجهان : أحدهما : هو أنه في موضع نصب على الحال من الضمير في القاهر ؛ أي : وهو القاهر مستعليا أو غالبا . والثاني : هو في موضع رفع على أنه بدل من القاهر أو خبر ثان .

قال تعالى : ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ) ( 19 ) .

قوله تعالى : ( أي شيء ) : مبتدأ . و ( أكبر ) : خبره . ( شهادة ) : تمييز .

و ( أي ) : بعض ما تضاف إليه ، فإذ كانت استفهاما اقتضى الظاهر أن يكون جوابها مسمى باسم ما أضيف إليه " أي " . وهذا يوجب أن يسمى الله شيئا ؛ فعلى هذا يكون قوله : " قل الله " جوابا ، والله مبتدأ ، والخبر محذوف ؛ أي : أكبر شهادة . وقوله : " شهيد " خبر مبتدأ محذوف .

ويجوز أن يكون ( الله ) مبتدأ ، وشهيد خبره ، ودلت هذه الجملة على جواب ؛ أي : من طريق المعنى . و ( بينكم ) : تكرير للتأكيد ، والأصل شهيد بيننا .

ولك أن تجعل " بين " ظرفا يعمل فيه شهيد ، وأن تجعله صفة لشهيد فيتعلق بمحذوف . ( ومن بلغ ) : في موضع نصب عطفا على المفعول في " أنذركم " ، وهو بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، والفاعل ضمير القرآن ؛ أي : وأنذر من بلغه القرآن .

[ ص: 362 ] ( قل إنما هو إله واحد ) : في " ما " وجهان : أحدهما : هي كافة لأن عن العمل ؛ فعلى هذا هو مبتدأ ، وإله خبره ، وواحد صفة مبينة ، وقد ذكر مشروحا في البقرة .

والثاني : أنها بمعنى الذي في موضع نصب بإن ، وهو مبتدأ ، وإله خبره ، والجملة صلة الذي وواحد خبر إن ، وهذا أليق بما قبله .

قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) ( 20 ) .

قوله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب ) : في موضع رفع بالابتداء .

و ( يعرفونه ) : الخبر ، والهاء ضمير الكتاب ، وقيل : ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم .

( الذين خسروا أنفسهم ) : مثل الأولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث