الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل قاعدة أن النفس بل وكل حي له قوتان قوة الحب وقوة البغض

فصل

قاعدة : قد عرف أن النفس بل وكل حي له قوتان : قوة الحب وقوة البغض ، وهاتان القوتان جنسان عاليان تحتهما أنواع ، ولهما توابع تختلف أسماؤها وأحكامها ، مثل الشهوة والغضب اللذين للحيوان مطلقا ، ومثل الطمع والرجاء والرغبة التابع للحب ، والخوف والفرق والرهبة التابع للبغض ، فإن الحي لا يرغب ويرجو إلا ما يحبه ويشتهيه ، ولا يخاف ولا يرهب إلا ما يبغضه وينفر عنه .

قال الله تعالى : ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء :57] ، وقال : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا [السجدة :16] ، وقال : ويدعوننا رغبا ورهبا [الأنبياء :90]

وكل وعد ووعيد في القرآن فهو ترغيب وترهيب وتخويف وترجية ، فإن النعيم محبوب للحي ، والعذاب مكروه له . والرجاء والخوف يتعلق بالمحبوب والمكروه قبل وقوعه ، وكل منهما مركب من قوة علمية وهو تجويز الوقوع ، وعملية وهو الحب والبغض .

ومن ذلك اللذة والفرح والسرور والنعيم ، فإنه متعلق بحصول المحبوب واندفاع المكروه ، والألم والغم والحزن والعذاب فإنه متعلق [ ص: 91 ] بحصول المكروه واندفاع المحبوب . فالحب والشهوة كالسبب الفاعل في المطلوبات ، والفرح واللذة كالعلة الغائية .

ومن ذلك أن الإرادة والرحمة والصلاة على الشيء من جنس المحبة ، والكراهة والغضب واللعنة من جنس البغض . وكذلك الحسد -الذي هو كراهة النعمة وتمني زوالها- من جنس البغض ، يخالف الغبطة التي قد تسمى حسدا ، وهي محبة لمثل نعمة الغير ، فإنها من جنس المحبة ، ولهذا حرم الأول دون الثاني ، وشرع الثاني في العلم والمال المنفقين في سبيل الله .

ومن ذلك أن المغفرة ودفع المكروه والرحمة فعل لمحبوب ، ومن ذلك أن الموالاة والمصادقة والمؤانسة والمعاشرة ونحو ذلك هي من توابع المحبة ، والمعاداة والمجانبة والمواحشة والمهاجرة هي من توابع البغض . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان » ؛ لأن هاتين القوتين في القلب الذي هو يملك الحسد والعطاء والمنع في المال ، فإذا كان جميع الأفعال في النفس والمال لله صار العبد كله لله ، وذلك هو كمال الإيمان .

واعلم أن المقصود بالقصد الأول هو فعل المحبوب ، وهو عبادة [ ص: 92 ] الله وحده لا شريك له ، فإن الجن والإنس خلقوا لذلك ، لكن لا يتم ذلك إلا بدفع المكروه ، والأول قوة الرزق والثاني قوة النصر ، ولا غنى لأحدهما عن الآخر ، فإن اندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدم ، إذ لا محبوب ولا مكروه ، وحصول المحبوب والمكروه وجود فاسد ، إذ قد حصلا معا ، وهما متقابلان في الترجيح ، فربما تختار بعض النفوس هذا وتختار بعضها هذا ، وهذا عند التكافؤ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث