الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
515 - أنا القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا مسدد ، نا يحيى ، عن شعبة ، قال حدثني أبو عون ، عن الحارث بن عمرو ، عن ناس ، من أصحاب معاذ ، عن معاذ بن جبل ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لما بعثه إلى اليمن ، فذكر معناه .

فإن اعترض المخالف بأن قال : لا يصح هذا الخبر ، لأنه يروى عن أناس من أهل حمص لم يسموا فهم مجاهيل ، فالجواب : أن قول الحارث بن عمرو ، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ ، يدل على شهرة الحديث ، وكثرة رواته ، وقد عرف فضل معاذ وزهده ، والظاهر من حال أصحابه الدين والثقة والزهد والصلاح ، وقد قيل : إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، وهذا إسناد متصل ، ورجاله معروفون بالثقة ، على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به ، فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا وصية لوارث " ، وقوله في البحر : " هو [ ص: 473 ] الطهور ماؤه الحل ميتته " ، وقوله : " إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع " ، وقوله : " الدية على العاقلة " ، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها ، فكذلك حديث معاذ ، لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له .

فإن قال : هذا من أخبار الآحاد لا يصح الاحتجاج به في هذه المسألة .

فالجواب : أن هذا أشهر وأثبت من قوله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 474 ] : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ، فإذا احتج المخالف بذلك في صحة الإجماع ، كان هذا أولى .

[وجواب آخر ، وهو : أن خبر الواحد جائز في هذه المسألة ، لأنه إذا جاز تثبيت الأحكام الشرعية بخبر الواحد مثل : تحليل ، وتحريم ، وإيجاب ، وإسقاط ، وتصحيح ، وإبطال ، وإقامة حد بضرب ، وقطع ، وقتل ، واستباحة فرج ، وما أشبه ذلك ، وكان القياس أولى ، لأن القياس طريق لهذه الأحكام ، وهي المقصودة دون الطريق ، وهذا واضح لا إشكال فيه] .

يدل على ثبوت القياس أيضا ما :

التالي السابق


الخدمات العلمية