الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 78 ] المسألة الأولى

          مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال [1] غير مقبول الرواية ، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته ، وكشف سريرته ، أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له .

          وقال أبو حنيفة وأتباعه : يكتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرا ، وقد احتج النافون بحجج :

          الأولى : أن الدليل ينفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع ، وهو ما اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله ، فوجب أن لا يقبل .

          ولقائل أن يقول : الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق ، ومن ظهر إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا ، لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية .

          واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا بدليل العدل المتفق على عدالته .

          الحجة الثانية : أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية ؛ دفعا لاحتمال مفسدة الكذب ، كالشهادة في العقوبات .

          ولقائل أن يقول : وإن كان احتمال الكذب قائما ( ظاهرا ) ، غير أن احتمال الصدق مع ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب .

          ومع ذلك ، فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد ، ولا يمكن القياس على الشهادة ؛ لأن الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية .

          ولهذا كان العدد والحرية مشترطا في الشهادة دون الرواية ، ومتعبدا فيها بألفاظ خاصة غير معتبرة في الرواية ، حتى إنه لو قال " أعلم " بدل قوله " أشهد " لم يكن مقبولا .

          [ ص: 79 ] وعلى هذا ، فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة اشتراط ذلك في الرواية .

          الحجة الثالثة : قالوا : أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول الفتوى ، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار ، فلا تقبل أخباره دفعا للمفسدة اللازمة من فوات الشرط كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا .

          ولقائل أن يقول : المجمع على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرا ، أو بمعنى آخر ، والأول مسلم ، غير أن ما هو الشرط متحقق فيما نحن فيه ، والثاني ممنوع .

          كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة المتقدمة ، وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع ، فالاعتبار بالمفتي غير ممكن ؛ وذلك لأن بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة .

          ولهذا كانت العدالة أغلب وقوعا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وعند ذلك فاحتمال عدم صفة الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة ، فلا يلزم من عدم قبول قول المفتي مع الجهل بحاله القبول بعدم قول الراوي مع الجهل بحاله .

          الحجة الرابعة : أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية ، فاعتبر فيه الخبرة الباطنية مبالغة في دفع الضرر ، كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول الشهادة .

          ولقائل أن يقول ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في الحجة الثانية ، وبتقدير مناسبته فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم .

          الحجة الخامسة : قالوا : رد عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة الحال ، وعلي عليه السلام رد قول الأشجعي في المفوضة ، واشتهر ذلك فيما بين الصحابة ، ولم ينكره منكر فكان إجماعا .

          ولقائل أن يقول : أما رد عمر لخبر فاطمة إنما كان لأنه لم يظهر له صدقها [2] .

          [ ص: 80 ] ولهذا قال : كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت .

          وما نحن فيه ليس كذلك ، فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرا ، فاحتمال صدقه لا محالة أظهر من احتمال كذبه .

          وأما رد علي عليه السلام لخبر الأشجعي فإنما كان أيضا لعدم ظهور صدقه عنده ؛ ولهذا وصفه بكونه بوالا على عقبيه ؛ أي : غير محترز في أمور دينه .

          ويجب أن يكون كذلك ، وإلا كان مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم : " نحن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر " .

          والمعتمد في المسألة أنا نقول : القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال يستدعي دليلا ، والأصل عدم ذلك الدليل ، والمسألة اجتهادية ظنية ، فكان ذلك كافيا فيها [3] .

          فإن قيل : بيان وجود الدليل من جهة النص والإجماع والمعقول .

          أما النص فمن جهة الكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) أمر بالتثبت مشروطا بالفسق فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت فيه .

          وأما السنة فمن وجهين ؛ الأول : قوله عليه السلام : " إنما أحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر " [4] وما نحن فيه فالظاهر من حاله الصدق ، فكان داخلا تحت عموم الخبر .

          الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الأعرابي ، وقال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) وشهد برؤية الهلال عنده ، قبل شهادته ، وأمر بالنداء بالصوم لما ثبت عنده إسلامه [ ص: 81 ] ولم يعلم منه ما يوجب فسقا ، فالرواية أولى [5] .

          وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد والنسوان والأعراب المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرا .

          وأما المعقول فمن وجهين ؛ الأول : أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق ، فكان خبره مقبولا كإخباره بكون اللحم ( لحم ) مذكى ، وكون الماء طاهرا أو نجسا ، وكون الجارية المبيعة رقيقة ، وكونه متطهرا عن الحدثين ؛ حتى يصح الاقتداء به ، ونحوه .

          والثاني : أنه لو أسلم كافر ، وروى عقيب إسلامه خبرا من غير مهلة ، فمع ظهور إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه ، يمتنع رد روايته ، وإذا قبلت روايته حال إسلامه ، فطول مدته في الإسلام أولى أن لا توجب رده .

          والجواب عن الآية أن العمل بموجبها نفيا وإثباتا متوقف على معرفة كونه فاسقا أو ليس فاسقا ، لا على عدم علمنا بفسقه ، وذلك لا يتم دون البحث والكشف عن حاله .

          وعن الخبر الأول ، من ثلاثة أوجه :

          الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه ، ولا يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه ، لا بنفس النص المذكور ، والقياس عليه ممتنع ؛ لأن ما للنبي صلى الله عليه وسلم ، من الاطلاع والمعرفة بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد منهم من الأمور الغيبية ، غير متحقق في حق غيره [6] .

          الثاني : أنه رتب الحكم على الظاهر ، وذلك وإن كان يدل على كونه علة لقبوله والعمل به ، فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على أنه ليس بعلة .

          [ ص: 82 ] الثالث ، المعارضة بقوله تعالى : ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) وليس العمل بعموم أحد النصين وتأويل الآخر أولى من الآخر ، بل العمل بالآية أولى ؛ لأنها متواترة وما ذكروه آحاد .

          وعن الخبر الثاني : لا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يعلم من حال الأعرابي سوى الإسلام .

          وعن الإجماع ، لا نسلم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم .

          ولهذا ، ردوا رواية من جهلوه كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس ، [7] ورد علي شهادة الأعرابي .

          وعن الوجه الأول من المعقول بالفرق بين صور الاستشهاد ومحل النزاع .

          وذلك من وجهين ؛ الأول : أن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أعلى رتبة وأشرف منصبا من الإخبار فيما ذكروه من الصور ، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما .

          الثاني : أن الإخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق ، ولا كذلك فيما نحن فيه .

          وعن الوجه الثاني : من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله ، لاحتمال أن يكون كذوبا ، وهو باق على طبعه .

          وإن قلنا : روايته في مبدأ إسلامه ، فلا يلزم ذلك في حالة دوامه ، لما بين ابتداء الإسلام ودوامه من رقة القلب ، وشدة الأخذ بموجباته ، والحرص على امتثال مأموراته ، واجتناب منهياته على ما يشهد به العرف والعادة في حق كل من دخل في أمر محبوب والتزمه ، فإن غرامه به في الابتداء يكون أشد منه في دوامه .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية