الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
فإن كان العبد بين رجلين فأعتق أحدهما نصيبه جاز ثم إن كان المعتق موسرا فللساكت ثلاث خيارات في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى : إن شاء أعتق نصيبه ، وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه فإذا أدى السعاية إليه عتق ، والولاء بينهما ، وإن شاء ضمن المعتق نصف قيمته ثم رجع المعتق على العبد والولاء كله له ، وإن كان المعتق معسرا فللساكت خياران : إن شاء أعتق ، وإن شاء استسعى ، وليس له حق تضمين الشريك إلا على قول بشر المريسي ، والقياس في أحد الشيئين أما وجوب الضمان على المعتق موسرا كان ، أو معسرا ; لأنه بإعتاق نصيبه يفسد على الشريك [ ص: 105 ] نصيبه فإنه يتعذر عليه استدامة ملكه ، والتصرف في نصيبه ، وضمان الإفساد لا يختلف باليسار ، والعسرة ، أو القياس أن لا يجب على المعتق ضمان بحال ; لأنه متصرف في نصيب نفسه والمتصرف في ملكه لا يكون متعديا ، ولا يلزمه الضمان ، وإن تعدى ضرر تصرفه إلى ملك غيره ، كمن سقى أرضه فنزت أرض جاره أو أحرق الحصائد في أرضه فاحترق شيء من ملك جاره .

ولكنا تركنا القياسين للآثار فمنه ما روي عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { في الرجل يعتق نصيبه في المملوك : إن كان غنيا ضمن ، وإن كان فقيرا يسعى في حصة الآخر } وهكذا روى عروة عن عائشة وعمر بن شهيب عن أبيه عن ابن مسعود رضوان الله عليهم { : أن رجلين من جهينة كان بينهما عبد فأعتقه أحدهما فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمنه نصيب صاحبه ، وحبسه حتى باع غنيمة له في ذلك } ، وذكر الحسن عن عمر رضي الله عنه في العبد بين اثنين يعتقه أحدهما : أنه يضمن نصيب صاحبه إن كان غنيا ، وإن كان فقيرا يسعى العبد في النصف لصاحبه وعن إبراهيم عن الأسود بن يزيد أنه أعتق عبدا له ولإخوة له صغار فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال يستأنى بالصغار حتى يدركوا فإن شاءوا أعتقوا ، وإن شاءوا أخذوا القيمة فلهذه الآثار قلنا بوجوب الضمان في حالة اليسار دون العسرة ، ولكن المعتبر يسار اليسر ، لا يسار الغنى حتى إذا كان له من المال قدر قيمة المملوك - فهو ضامن ، وإن كانت تحل له الصدقة هكذا ذكره في حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال : قوم عليه نصيب شريكه إن كان له من المال ما يبلغ ذلك } ، ولأنه قصد التقرب ، والصلة بإعتاق نصيبه وتمام ذلك بعتق ما بقي فإن كان متمكنا من إتمامه بملكه مقدار ما يؤديه إلى شريكه كان عليه ذلك ، ولأن اختلاف هذا الضمان باليسار ، والإعسار لتحقيق معنى النظر للشريك فإنه إذا استسعى العبد يتأخر وصول حقه إليه ، وإذا ضمن شريكه يتوصل إلى مالية نصيبه في الحال ، وإنما يكون هذا إذا كان موسرا له من المال ما يبلغ قيمة نصيب شريكه ثم على قول أبي يوسف ومحمد لا خيار للساكت ، وإنما له تضمين الشريك إن كان موسرا ، واستسعاء العبد إن كان معسرا أخذا بظاهر الحديث وبناء على أصلهما أن العتق لا يتجزأ .

ولهذا كان الولاء عندهما كله للمعتق في الوجهين جميعا ، وهو قول ابن أبي ليلى إلا في حرف ، واحد يقول إذا سعى العبد رجع به على المعتق إذا أيسر ; لأنه هو الذي ألزمه ذلك [ ص: 106 ] بفعله ، وقاس بالعبد المرهون إذا أعتقه الراهن ، وهو معسر فسعى العبد في الدين رجع به على الراهن إذا أيسر ، ولكنا نقول إذا كانت عسرة المعتق تمنع وجوب الضمان عليه للساكت فكذلك يمنع وجوب الضمان عليه للعبد ، وإنما يسعى العبد في بدل رقبته ، وماليته ، وقد سلم له ذلك فلا يرجع به على أحد بخلاف المرهون فإنه ليس في بدل رقبته بل في الدين الذي هو ثابت في ذمة الراهن ، ومن كان مجبرا على قضاء دين في ذمة الغير من غير التزام من جهته يثبت له حق الرجوع به عليه فأما عند الشافعي رحمه الله تعالى : إن كان المعتق موسرا يعتق كله ، وهو ضامن لنصيب شريكه ، وإن كان معسرا فللشريك أن يستديم الرق في نصيبه ، ويتصرف فيه بما شاء ، وقال لا أعرف السعاية على العبد ، ووجه قوله أن عسرة العبد أظهر من عسرة المعتق ; لأنه ليس من أهل ملك المال فإذا لم يجب الضمان على المعتق لعسرته ، فكذلك لا يجب على العبد بل أولى ; لأن المعتق معسر جان والعبد معسر غير جان ، وهذا لو لزمه السعاية إنما تلزمه في بدل رقبته .

، وليس للمولى ولاية إلزامه المال بدلا عن رقبته في ذمته كما لو كاتبه بغير رضاه فلأن لا يكون ذلك لغير المالك ، أولى .

( وحجتنا ) في ذلك حديث بشر بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أعتق شقصا من عبد بينه ، وبين غيره قوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرا قيمة عدل ، ولا يستسعى العبد في نصيبه غير مستغرق عليه } والمعنى فيه أن نصيب الشريك مال متقوم ، وقد احتبس عند العبد لما قلنا أن بعد إعتاق البعض يمتنع استدامة الملك فيما بقي لوجوب تكميل العتق ، والدليل عليه حالة اليسار فإن حكم المحل لا يختلف بيسار المعتق ، وعسرته ، ومن احتبس ملك الغير عنده يكون ضامنا له موسرا كان ، أو معسرا وجد منه الصنع ، أو لم يوجد كما لو هبت الريح بثوب إنسان ، وألقته في صبغ إنسان فانصبغ كان لصاحب الصبغ أن يرجع عليه بقيمة صبغه إذا اختار صاحب الثوب إمساك الثوب ، وكذلك إذا استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة يضمن نصيب شريكه موسرا كان ، أو معسرا لاحتباس نصيب الشريك عنده فكذلك هنا يجب على العبد السعاية في نصيب الشريك ، وإن كان معسرا لاحتباس نصيب الشريك عنده ، وهذا بخلاف بدل الكتابة ; لأن وجوبه بعقد التراضي ، ووجوب السعاية من طريق الحكم للاحتباس ، وذلك متقرر ، وإن لم يرض به العبد فأما بيان مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فنقول : عنده العتق يتجزأ فإنما عتق نصيب المعتق فقط وبقي نصيب الآخر على ملكه فله أن يعتقه كما كان له أن [ ص: 107 ] يعتقه قبل ذلك فإذا أعتقه كان الولاء بينهما كما لو أعتقاه معا ، وله أن يستسعي العبد في نصيبه ; لأن نصيبه احتبس عند العبد حين تعذر استدامة الملك فيه ، وإذا استسعاه فأدى السعاية عتق ، والولاء بينهما ; لأن نصيبه عتق من جهته ، وله أن يضمن شريكه إن كان موسرا ; لأنه مفسد عليه نصيبه لما تعذر عليه استدامة الملك بإعتاق نصيبه ثم بالتضمين يصير مملكا نصيبه من شريكه فيلتحق بما لو كان العبد كله له فأعتق نصفه حتى يتخير في النصف الباقي بين أن يعتقه ، وأن يستسعيه ; ولأنه بالتضمين يقيم المعتق في نصيبه مقام نفسه ، وقد كان له الخيار بين أن يعتقه ، أو يستسعيه فيثبت ذلك للمعتق بعد أداء الضمان فلهذا قال يرجع على العبد بما ضمن ، والولاء كله له ; لأنه عتق من جهته ، وإن أعتق أحدهما نصيب شريكه منه لم يعتق ; لأن ملك الغير ليس بمحل للعتق في حقه ، والسراية عندهما إنما تكون بعد مصادفة العتق محله ، وإذا لم يصادف محله كان لغوا .

التالي السابق


الخدمات العلمية