الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإن [ ص: 76 ] تعجل العتق للعبيد ، وذلك ليس بصنع منا بل بإعتاق الموصي ، ولزوم تصرفه شرعا ، ولو أبطلنا حق بعض العبيد كان ذلك بإيجاب منا ، ثم كلامه يشكل بما لو كان ماله دينا على مفلس فأوصى به له ، فإنه يسقط نصيبه ، والباقي دين عليه إلى أن يقدر على أدائه ، ولا وجه لتعيين المستحق بالقرعة ; لأن تعيين المستحق بمنزلة ابتداء الاستحقاق ، فإن الاستحقاق في المجهول في حكم العين كأنه غير ثابت فكما أن تعليق ابتداء الاستحقاق بخروج القرعة يكون قمارا فكذلك تعيين المستحق ، وإنما يجوز استعمال القرعة عندنا فيما يجوز الفعل فيه بغير القرعة كما في القسمة . فإن للقاضي أن يعين نصيب كل واحد منهم بغير قرعة فإنما يقرع تطييبا لقلوبهم ، ونفيا لتهمة الميل عن نفسه وبهذا الطريق كان يقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه إذا أراد سفرا ; لأن له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة إذ لا حق للمرأة في القسم في حال سفر الزوج ، وكذلك يونس صلوات الله عليه عرف أنه هو المقصود ، وكان له أن يلقي نفسه في الماء من غير إقراع ، ولكنه أقرع كي لا ينسب إلى ما لا يليق بالأنبياء ، وكذلك زكريا عليه السلام كان أحق بضم مريم إلى نفسه ; لأن خالتها كانت تحته ولكنه أقرع تطييبا لقلوب الأحبار ، مع أن تلك كانت معجزة له فقد روي أن أقلامهم كانت من الحديد ، وكان الشرط أن من طفا قلمه على وجه الماء فهو أحق بها ، وروي أنه كان من القصب ، وكان الشرط أن من استقبل قلمه جري الماء ، ولم يجر مع الماء فهو أحق بها بقي اعتمادهم على الحديث ، ومن أصحابنا من قال : هذا الحديث غير صحيح ; لأن فيه أن الرجل كان له ستة أعبد قيمتهم سواء ، ولم يكن له معهم شيء آخر ، وهذا من أندر ما يكون .

ولو ثبت فيحتمل أن الرجل أوصى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتقهم ، وفي الحديث دليل عليه ; لأنه قال : فأعتق اثنين منهم ، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق أي الاثنين شاء منهم فأقرع تطييبا لقلوبهم ، وذكر الجصاص : أن معنى قوله : فأعتق اثنين أي قدر اثنين منهم ، وبه نقول ، فإنا إذا أعتقنا من كل واحد منهم ثلثه فقد أعتقنا قدر اثنين منهم ، ومعنى قوله فأقرع أي دقق النظر يقال : فلان قريع دهره أي دقيق النظر في الأمور ودقق الحساب بأن جعل قدر الرقبتين بينهم أسداسا ، هذا تأويل الحديث إن صح ، وعن إسماعيل بن خالد عن الشعبي رضي الله تعالى عنهم في رجل أعتق عبدا له عند الموت ولا مال له غيره قال عامر : قال مسروق هو حر كله جعله لله لا أرده ، وقال شريح يعتق ثلثه ، ويسعى في الثلثين فقلت لعامر أي القولين أحب إليك قال : فتيا مسروق ، وقضاء شريح [ ص: 77 ] رضي الله تعالى عنهما - وفي هذا إشارة أن العتق يتجزأ في الحكم كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وأنه يجب إتمامه ، ولا يجوز استدامة الرق فيما بقي منه كما هو فتوى مسروق رحمه الله تعالى .

وعن علي رضي الله عنه : أن رجلا أعتق عبدا له عند الموت وعليه دين قال يسعى العبد في قيمته ، وعن أبي يحيى الأعرج رضي الله عنه { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى العبد في الدين } ، والمراد إذا كان الدين بقدر قيمته ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه نحوه ، فإنه قال : تسعى الأمة في ثمنها يعني في قيمتها ، وهذا ; لأن الدين مقدم على الوصية والميراث ، والعتق في المرض وصية فوجب رده لقيام الدين ، ولكن العتق لا يحتمل الفسخ ، والرق بعد سقوطه لا يحتمل العود فكان الرد بإيجاب السعاية عليه .

وعن إبراهيم رحمه الله تعالى قال : إذا كان وصية ، وعتق بدئ بالعتق ، وهكذا عن شريح ، وهو قول ابن عمر رضي الله عنه ; لأن العتق أقوى سببا فإنه يلزم بنفسه على وجه لا يحتمل الرد والرجوع عنه ، والترجيح بقوة السبب أصل ، وعن عمر رضي الله عنه أنه أعتق عبدا له نصرانيا يدعى بجيس ، وقال : لو كنت على ديننا لاستعنا بك على بعض أعمالنا ، وفيه دليل على أن إعتاق النصراني قربة ، وأنهم لا يؤتمنون على شيء من أمور المسلمين فإنهم لا يؤدون الأمانة في ذلك وقد أنكر عمر رضي الله عنه ذلك على أبي موسى الأشعري فإنه قال له : مر كاتبك ليكتب لنا كذا قال : إن كاتبي لا يدخل المسجد قال أجنب هو قال لا ، ولكنه نصراني فقال سبحان الله ، أما سمعت الله يقول { : لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا } .

وعن عمر بن عبد العزيز أنه أعتق عبدا له نصرانيا فمات العبد فجعل ميراثه لبيت المال ، وفيه دليل على أن المسلم لا يرث الكافر ، وإن مات ، ولا وارث له فحصة ماله لبيت المال ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن أمة فجرت فولدت من الزنا فأعتقها ابن عمر رضي الله عنه ، وأعتق ولدها ، وفيه دليل على جواز التقرب إلى الله تعالى بعتق ولد الزنا ، وعن عمر رضي الله عنه : أنه أوصى بولد الزنا خيرا ، وأوصى بهم أن يعتقوا ، وهذا ; لأن له من الحرمة ما لسائر بني آدم ولا ذنب لهم ، وإنما الذنب لآبائهم كما ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تتأول في أولاد الزنا { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وذكر عن إبراهيم وعامر رضي الله عنهما قالا لا يجزئ ولد الزنا في النسمة الواجبة ، وكأنهما تأولا في ذلك { قوله صلى الله عليه وسلم ولد الزنا شر الثلاثة } ولسنا نأخذ بقولهما فإن الله تعالى أمر بتحرير الرقبة ، وأكثر المماليك لا تعرف آباؤهم عادة ، وتأويل الحديث : شر [ ص: 78 ] الثلاثة نسبا فإنه لا نسب له أو قال ذلك في ، ولد زنا بعينه نشأ مريدا فكان أخبث من أبويه .

التالي السابق


الخدمات العلمية