الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
فأما الشهادة على عتق العبد لا تقبل مع جحود العبد في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وتقبل في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - وجه قولهما أن المشهود به في حق الشرع ، وعدم الدعوى لا يمنع قبول الشهادة عليه كعتق الأمة وطلاق الزوجة ، وبيان ذلك أن المشهود به العتق ، وهو حق الشرع ، ألا ترى أنه لا يحتاج فيه إلى قبول العبد ، ولا يرتد برده وإنه مما يجوز أن يحلف به وإنما يحلف بما هو حق الشرع وإن إيجابه في المجهول صحيح ، ولا يصح إيجاب الحق للمجهول ، ويتعلق به حرمة استرقاقه ، وذلك حق الشرع قال النبي : عليه الصلاة والسلام { ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة } ، وذكر في جملتهم من استرق الحر ، ويتعلق به حكم تكميل الحدود ، ووجوب الجمعة ، والأهلية للولايات ثم الاسترقاق على أهل الحرب عقوبة بطريق المجازاة لهم حين أنكروا وحدانية الله فجازاهم على ذلك ، بأن جعلهم عبيد عبيده فإزالته بعد الإسلام يكون حقا للشرع ، ولهذا كانت قربة تتأدى بعض الواجبات بها ، والدليل عليه أن التناقض في الدعوى لا يمنع قبول البينة حتى لو أقر بالرق ثم ادعى حرية الأصل وأقام البينة قبلت بينته والتناقض يعدم الدعوى ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد فقد جعل أداء الشهادة قبل الاستشهاد من أمارات الكذب ، فظاهره يقتضي أن لا يكون مقبولا منه إلا حيث خص بدليل الإجماع .

والمعنى فيه أن إزالة ملك اليمين بالقول ، ولا يتضمن معنى تحريم الفرج ، فلا تقبل الشهادة فيه إلا بالدعوى كالبيع ، وتأثيره أن المشهود به حق العبد ; لأن الإعتاق إحداث قوة الملكية والاستبداد فيتضمن انتفاء ذل الملكية ، والرق ، وذلك كله حق العبد فأما ما ، وراء ذلك من ثمرات العتق فلا يعتبر ذلك وإنما يعتبر المشهود به ، فإذا كان الحق للعبد يتوقف قبول البينة على دعواه ، ونحن نسلم أن في السبب معنى حق الشرع ، ولهذا لا يتوقف على قبوله ، ولا يرتد برده ، ولكن هذا لا يدل على قبول البينة [ ص: 94 ] فيه من غير الدعوى كالعفو عن القصاص ثم العبد غير متهم في هذا الإنكار ; لأن العاقل لا يجحد الحرية ليستكسبه غيره فينفق عليه بعض كسبه ، ويجعل الباقي لنفسه فصح إنكاره ، وصار به مكذبا لشهوده بخلاف الأمة ; لأنها متهمة في الإنكار على ما قلنا ، حتى لو كان العبد متهما بأن كان لزمه حد قذف أو قصاص في طرف فأنكر العتق تقبل الشهادة ، ومن أصحابنا من قال : التناقض إنما يعدم الدعوى فيما يحتمل الفسخ بعد ثبوته ; لأن أول كلامه ينقض آخره ، وآخره ينقض أوله فأما فيما لا يحتمل النقض بعد ثبوته فلا معتبر بالتناقض كما في دعوى النسب فإن الملاعن إذا أكذب نفسه ثبت النسب منه .

ولا ينظر إلى تناقضه في الدعوى ، ولا ناقض لحرية الأصل في دارنا فالتناقض فيه لا يكون معدما للدعوى ، وهذا ضعيف ، فإن من أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى : أنه بعدما أقر بنسب ، والد أمته لغيره ولو ادعاه لنفسه لا يصح للتناقض ، والنسب لا يحتمل النقض ، والوجه أن يسلك فيه طريقة الشبهين فنقول : من حيث السبب المشهود به من حق الشرع بمنزلة طلاق الزوجة ، وعتاق الأمة ، ومن حيث الحكم المطلوب بالسبب هو حق العبد كما بينا ، وما تردد بين الشبهين يوفر حظه عليهما فلشبهه بحقوق العباد قلنا : الشهادة لا تقبل بدون الدعوى ولشبهه بحق الشرع قلنا : التناقض في الدعوى لا يمنع قبول البينة عليه ، وإذا شهدوا أنه أعتق عبده سالما ، ولا يعرفون سالما ، وله عبد واحد واسمه سالم فإنه يعتق لما بينا أن إيجاب العتق في المجهول صحيح ، ولأن ملكه متعين لما أوجبه فبان لا يعرف الشهود العبد لا يمنع قبول شهادتهم كما أن القاضي يقضي بالعتق إذا سمع هذه المقالة من المولى ، وإن كان هو لا يعرف العبد ، ولو شهدوا به في البيع أبطلته لما بينا أن الجهالة التي تفضي إلى المنازعة تمنع صحة البيع ، وإذا لم يعرف الشهود العبد فهذه جهالة تفضي إلى المنازعة ، ويتعذر على القاضي القضاء لأجله بالشهادة .

التالي السابق


الخدمات العلمية