الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الثَّالِثَةُ : لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ مُعَيَّنٍ حَالَ الْعَقْدِ . وَقَبَضَهُ الْبَائِعُ ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ وَبِهِ عَيْبٌ ، وَادَّعَى أَنَّهُ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي كَوْنَهُ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا : فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ . لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَعَدَمُ وُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا الْعَيْبِ . وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ . ثُمَّ نَقَدَهُ الْمُشْتَرِي ، أَوْ قَبَضَهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا كَذَلِكَ ، وَلَا بَيِّنَةَ : فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ . وَهُوَ الْقَابِضُ مَعَ يَمِينِهِ ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ . لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الدَّعَاوَى قَوْلُ مَنْ الظَّاهِرُ مَعَهُ ، وَالظَّاهِرُ مَعَ الْبَائِعِ . لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ غَيْرَ مَعِيبٍ ، فَلَمْ يُغْفَلْ . قَوْلُهُ ( فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ ) . وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوقِ الزِّرْيَرانِيَّةِ . وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْقَبْضِ فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ الرَّابِعِ . وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي بَابِ السَّلَمِ . وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَبْلَ الْقَرْضِ بِفَصْلٍ وَلَوْ قَالَ الْمُسَلِّمُ : هَذَا الَّذِي أَقْبَضْتَنِي وَهُوَ مَعِيبٌ . فَأَنْكَرَ أَنَّهُ هَذَا : قُدِّمَ قَوْلُ الْقَابِضِ . وَقِيلَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ . لِأَنَّهُ قَدْ أَقَبَضَ فِي الظَّاهِرِ مَا عَلَيْهِ . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، فِي آخِرِ بَابِ الْقَبْضِ . وَمَحَلُّ الْخِلَافِ : إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ يَدِهِ . كَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا . تَنْبِيهٌ : هَذِهِ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْفُرُوقِ ، وَالرِّعَايَةِ ، وَالْحَاوِيَيْنِ ، وَالْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ فِي الْفَائِدَةِ السَّادِسَةِ : لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ ، فَقَالَ : هَذَا الثَّمَنُ وَقَدْ خَرَجَ مَعِيبًا . وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي : فَفِيهِ طَرِيقَانِ . أَحَدُهُمَا : إنْ قُلْنَا النُّقُودُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ : فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي . لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ . وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . وَإِنْ قُلْنَا لَا يَتَعَيَّنُ : فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا . لِأَنَّهُ أَقْبَضَ فِي الظَّاهِرِ مَا عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : قَوْلُ الْقَابِضِ . لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّتِهِ . وَالْأَصْلُ اشْتِغَالُهَا بِهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ . وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ . الطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ : إنْ قُلْنَا النُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ : فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَجْهًا وَاحِدًا . لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ . وَلَمْ يَثْبُتْ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ . وَإِنْ قُلْنَا تَتَعَيَّنُ : فَوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ . فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ [ وَاحِدٍ ] مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّ الْعَيْبَ حَدَثَ عِنْدَهُ فِي السِّلْعَةِ . أَحَدُهُمَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ . لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَلَامَةَ الْعَقْدِ . وَالْأَصْلُ ، عَدَمُهُ . وَيَدَّعِي عَلَيْهِ الْفَسْخَ . وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . وَالثَّانِي : قَوْلُ الْقَابِضِ . لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ التَّسْلِيمَ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُغْنِي ، وَالْمُحَرَّرِ ، بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ ، إذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ بِالْعَيْبِ هُوَ الْمَبِيعُ . وَلَمْ يَحْكِيَا خِلَافًا ، وَلَا فَصْلًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُعَيَّنًا . نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الصَّرْفِ . وَفَرَّقَ السَّامِرِيُّ فِي فُرُوقِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ بِعَيْبٍ وَقَعَ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا . فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ ، فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي لِمَا تَقَدَّمَ . وَهَذَا فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعَيْبَ أَنَّ مَالَهُ كَانَ مَعِيبًا . أَمَّا إنْ اعْتَرَفَ بِالْعَيْبِ ، وَقَدْ فَسَخَ صَاحِبُهُ ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا الْمُعَيَّنَ : فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ . صَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْلِيسِ فِي الْمُغْنِي . مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ قَبِلَ اسْتِحْقَاقَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْآخَرُ . وَالْأَصْلُ مَعَهُ . وَيَشْهَدُ لَهُ : أَنَّ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي . حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ . لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ بِالْخِيَارِ . وَقَدْ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ : أَنَّ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْفَسْخِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ : هَلْ هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ . وَقَدْ يَكُونُ مَا أَخَذَهُ أَمَانَةً عِنْدَهُ . وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْبَائِعِ مِمَّا يُدَّعَى عَلَيْهِ . فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ ثُمَّ أَحْضَرَهَا ، فَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُقَرُّ بِهَا . فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ . انْتَهَى كَلَامُهُ فِي الْقَوَاعِدِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية