الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5809 5810 5811 ص: وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِنَأْمُلَ مَنِ الْعَائِدُ فِي قَيْئِهِ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الرَّجُلَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ فَيَكُونُ قَدْ جَعَلَ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْكَلْبَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ ، وَالْكَلْبُ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ فَيَكُونُ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ عَائِدًا فِي قَذَرٍ كَالْقَذَرِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ الْكَلْبُ فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ مَنْعُ الْوَاهِبِ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ . فَنَظَرْنَا : هَلْ نَجِدُ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا هُوَ ؟ فَإِذَا فَهْدٌ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : " لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ ; الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ " . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : ثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، قَالَ : ثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِيهِ " . فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ تَنْزِيهَ أُمَّتِهِ عَنْ أَمْثَالِ الْكِلَابِ لَا أَنَّهُ أَبْطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الرُّجُوعُ فِي هِبَاتِهِمْ . شرح معاني الآثار ش: أَيْ : وَكَانَ مِنَ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى مِنْ ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . تَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنِ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ مَنْ هُوَ ، لِأَنَّهُ أَطْلَقَهُ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُجْمَلٌ ، ثُمَّ إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّجُلَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَثْبُتُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِالْعَائِدِ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ مَنْعُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَلْبَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ أَوْ نَحْوَهُ مِنْ أَمْثَالِهِ فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى وَلَا يَرُدُّ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِالْكَلْبِ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ، وَالْكَلْبُ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، فَيَكُونُ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ عَائِدًا فِي أَمْرٍ قَذِرٍ كَالْقَذَرِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ الْكَلْبُ ، فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ مَنْعُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ . فَإِذَا ثَبَتَ هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ رَجَعْنَا إِلَى الْآثَارِ هَلْ نَجِدُ شَيْئًا مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى تَجْرِيحِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ ؟ فَوَجَدْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ هُوَ الْكَلْبُ الْعَائِدُ فِي قَيْئِهِ ، فَصَارَتْ إِحْدَى رِوَايَتَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُفَسِّرَةً لِلْأُخْرَى ، فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ وَجْهُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِيَ وَتَرَجَّحَ ، وَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى . هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ ظَاهِرِ الْقُبْحِ مُرُوءَةً وَخُلُقًا لَا شَرْعًا ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ : "كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِيهِ " وَذَا لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لَكِنَّهُ يُوصَفُ بِالْقُبْحِ الطَّبِيعِيِّ ، وَكَذَا أُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : "لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ . . . . " الْحَدِيثَ. أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ نَفْيُ الْحِلِّ مِنْ حَيْثُ الْمُرُوءَةِ وَالْخُلُقِ لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ ، لِأَنَّ نَفْيَ الْحِلِّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ قِيلَ فِي بَعْضِ التَّأْوِيلَاتِ : لَا يَحِلُّ لَكَ مِنْ حَيْثُ الْمُرُوءَةِ وَالْخُلُقِ أَنْ تَتَزَوَّجَ عَلَيْهِنَّ بَعْدَمَا اخْتَرْنَ إِيَّاكَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنَ الزِّينَةِ ، لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ إِذْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِغَيْرِهِنَّ . ثُمَّ إِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحِيحَيْنِ : الْأَوَّلُ : عَنْ فَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَحْوَهُ . الثَّانِي : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ الْعَمِّيِّ الْبَصْرِيِّ ، شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ : عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية