الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6144 ص: والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله -عليه السلام - في المتلاعنين :

                                                حدثنا يونس ، قال : أنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عمر ، - رضي الله عنهما - قال : "فرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أخوي بني العجلان ، وقال لهما : حسابكما على الله ، الله يعلم أن أحدكما كاذب ، لا سبيل لك عليها ، قال : يا رسول الله ، صداقي الذي أصدقتها ، قال : لا مال لك ; إن كنت صدقت عليها فهو بها استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منه " .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي الدليل على ما ذهب إليه الآخرون : حديث المتلاعنين .

                                                أخرجه بإسناد صحيح ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة . . . . إلى آخره .

                                                [ ص: 495 ] وأخرجه البخاري : عن علي بن عبد الله ، نا سفيان ، قال عمرو : سمعت سعيد بن جبير قال : "سألت ابن عمر عن حديث المتلاعنين ، فقال : قال النبي -عليه السلام - للمتلاعنين : حسابكما على الله ، أحدكما كاذب ، لا سبيل لك عليها ، قال : مالي ، قال : لا مال لك ، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك " ، قال سفيان : حفظته من عمرو .

                                                وأخرجه مسلم : عن يحيى بن يحيى ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن سعيد بن جبير . . إلى آخره نحوه .

                                                وأبو داود : عن أحمد بن حنبل ، عن سفيان ، عن عمرو ، عن سعيد بن جبير . . . . إلى آخره نحوه .

                                                والنسائي : عن محمد بن منصور ، عن سفيان ، عن عمرو ، عن سعيد بن جبير . . . . إلى آخره نحوه .

                                                قوله : "بين أخوي بني العجلان " وهما عويمر بن أبيض العجلاني وزوجته ، ووقع في رواية "الموطأ " وأبي داود : عويمر بن أشقر ، وكان الذي رمى به زوجته شريك بن سحماء ، وكان ذلك في شعبان سنة تسع من الهجرة .

                                                قوله : "إن أحدكما كاذب " ظاهره أنه بعد الملاعنة ، وحينئذ تحقق الكذب عليهما جميعا ووجبت التوبة ، وذهب الداودي أنه إنما قاله النبي -عليه السلام - قبل اللعان لا بعده تحذيرا لهما ووعظا . قال عياض : والأول أظهر وأولى بمساق الكلام .

                                                قلت : الصواب مع الداودي ; لأن بعد الملاعنة يتحقق الكذب عليهما فلا يصدق أن يقال : "إن أحدكما كاذب " فافهم .

                                                [ ص: 496 ] وقوله : "إن أحدكما " ، فيه رد على من ذهب من النحاة أن أحدا لا تستعمل إلا في النفي ، وقول بعضهم : لا يستعمل إلا في الوصف وأنه لا يوضع موضع واجب ولا يوقع موقع واحد ، وقد أجاز هذا المبرد ، وجاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي وبمعنى واحد ، قال الله تعالى : فشهادة أحدهم قال الخطابي : فيه أن البينتين إذا تعارضتا تهاترتا وسقطتا .

                                                قوله : "لا سبيل لك عليها " حمله جمهور العلماء على العموم ، فلا تحل له أبدا ، واختلفوا إذا أكذب نفسه : هل تحل له أم لا ؟

                                                فعند أبي حنيفة : إذا أكذب نفسه حلت له ، لارتفاع المعنى المانع لإكذاب نفسه ، وبه قال محمد بن الحسن ، وهو قول حماد بن أبي سليمان وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري والزهري .

                                                وقال الأوزاعي والثوري والحسن بن حي والليث بن سعد والشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف وزفر وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد : لا يجتمعان أبدا سواء أكذب نفسه أو لا ، ولكنه إن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد ، ولا يجتمعان أبدا .

                                                وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - .

                                                وقال الشعبي والضحاك : إذا كذب نفسه جلد الحد وردت إليه امرأته .




                                                الخدمات العلمية