الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

617 - حمزة بن بيض الحنفي :

شاعر مجيد . قال المأمون للنضر بن شميل : أي بيت أطيب؟ قال: قول حمزة بن بيض:


تقول لي والعيون هاجعة أقم علينا يوما فلم أقم     أي الوجوه انتجعت قلت لها
وأي وجه إلا إلى الحكم     متى تقل حاجبا سرادقه
هذا ابن بيض بالباب يبتسم

انقطع إلى المهلب بن أبي صفرة ، ثم إلى ولده ، ثم إلى أبان بن الوليد ، ثم إلى بلال بن أبي برزة ، واكتسب بالشعر مالا عظيما ، مدح مخلد بن يزيد بن المهلب ، وهو يخلف أباه على خراسان ، فأعطاه مائة ألف درهم ، ودخل على يزيد بن المهلب السجن ، فأنشده:


أغلق دون السماح والجود والنجدة     باب حديد مفتاحه أشب
يرون سبق الجواد في مهل     وقصرت دون سعيك الرتب

فقال: يا حمزة ، أسأت إذ نوهت باسمي في غير وقت تنويه ، ثم رمى إليه بحزمة مصرورة وعليه صاحب خبر واقف . وقال: خذ هذا الدينار ، فو الله ما أملك غيره . فأخذه [ ص: 171 ] حمزة وأراد أن يرده عليه . فقال له سرا: خذه ولا تخدع عنه ، فإذا فص ياقوت أحمر ، فخرج إلى خراسان فباعه بثلاثين ألفا ، فلما قبضها قال له المشتري: والله لو أبيت إلا خمسين ألف درهم لأخذته منك . فضاق صدره فأعطاه مائة دينار أخرى .

618 - حفصة بنت سيرين :

قرأت القرآن وهي بنت اثنتي عشرة سنة ، وكانت تختم كل يومين ، وتصوم الدهر ، وتقوم الليل .

أنبأنا علي بن عبيد الله قال: أنبأنا جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أبو الحسين ابن أخي ميمي قال: أخبرنا أبو مسلم بن مهدي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن قارن قال:

حدثنا علي بن الحسن الفسنجاني قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا مخلد بن الحسين ، عن هشام بن حسان قال:

ما رأيت أحدا بالبصرة أفضله على حفصة ختمت القرآن وهي بنت اثنتي عشرة سنة ، وماتت وهي بنت اثنتين وتسعين سنة ، وكانت تتوضأ ارتفاع النهار وتدخل مسجدها في بيتها ، فلا تخرج منه إلى مثلها من الغد ، وكان يأتيها أنس بن مالك ، وأبو العالية مسلمون عليها .

أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأنا جعفر بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن علي الثوري قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الدقاق قال: أخبرنا ابن صفوان قال: أخبرنا أبو بكر بن عبيد قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثني صالح قال: حدثنا ضراب بن عمرو ، عن هشام قال:

كانت حفصة تسرج سراجها من الليل ثم تقوم في مصلاها ، فربما طفئ السراج فيضيء لها البيت حتى تصبح .

قال الرياشي : حدثني ابن عائشة ، عن سعيد بن عامر ، عن هشام قال: قالت حفصة بنت سيرين :

بلغ من بر ابني الهذيل بي أنه كان يكسر القصب في الصيف فيوقد لي في الشتاء . [ ص: 172 ]

قال: لئلا يكون له دخان . قالت: وكان يحلب ناقته بالغداة فيأتيني به فيقول: اشربي يا أم الهذيل ، فإن أطيب اللبن ما بات في الضرع . ثم مات فرزقت عليه من الصبر ما شاء أن يرزقني ، فكنت أجد مع ذلك حرارة في صدري لا تكاد تسكن . قالت: فأتيت ليلة من الليالي على هذه الآية: ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون فذهب عني ما كنت أجد .

619 - عمرو بن مرة الجملي :

[روى] عن سعيد بن سنان قال: قال عمرو بن مرة : ما أحب أني بصير أذكر أني نظرت نظرة وأنا شاب .

أسند عمرو عن عبد الله بن أبي أوفى .

وتوفي في هذه السنة . وقيل: سنة ثمان عشرة .

620 - مكحول الشامي ، أبو عبد الله :

كان عبدا لعمرو بن سعيد بن أبي العاص ، فوهبه لرجل من هذيل ، وكان عالما فقيها ، ورأى أنس بن مالك ، وواثلة بن الأسقع ، وأبا أمامة ، وعنبسة بن أبي سفيان .

وسمع من معاوية حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتوفي في هذه السنة . وقيل: سنة ثلاث عشرة .

أخبرنا موهوب بن أحمد قال: أخبرنا علي بن أحمد بن البسري قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: حدثنا أحمد بن نصر بن يحيى قال: حدثنا علي بن عثمان الحراني قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا سعيد قال:

لم يكن في زمان مكحول أبصر بالفتيا منه ، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ويقول: هو رأي والرأي يخطئ ويصيب . وما أدركنا أحسن [ ص: 173 ] سمتا في العبادة من مكحول وربيعة بن يزيد . وكان له خاتم لا يلبسه ، وكان عليه مكتوب: أعذ مكحولا من النار .

621 - هشام بن الربيع بن زرارة بن كثير بن خباب ، أبو حية النميري :

شاعر مجيد فصيح ، كان أبو عمرو بن العلاء يقدمه ، [أدرك الدولتين الأموية والعباسية] ، إلا أنه كان فيه هوج وجبن ، وكان يصرع في أوقات .

قال ابن قتيبة : كان من أكذب الناس ، يحدث أنه يخرج إلى الصحراء فيدعو الغربان فتقع حوله ، فيأخذ منها ما شاء ، فقيل له: يا أبا حية ، أفرأيت إن أخرجناك إلى الصحراء تدعوها فلم تأتك ، فماذا نصنع بك؟ قال: أبعدها الله إذن .

وكان له سيف يسميه لعاب المنية ، ليس بينه وبين الخشبة شيء ، فحدث جارا له قال: دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصا ، فانتضا سيفه وقال: أيها المغتر بنا ، المجترئ علينا ، بئس والله ما اخترت لنفسك ، سيف صقيل لعاب المنية الذي سمعت به ، اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك . فإذا الكلب قد خرج ، فقال:

الحمد لله الذي مسخك كلبا ، وكفانا حربا .

التالي السابق


الخدمات العلمية