الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

543 - إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي :

كان شريفا كريما ، ويسمى أسد قريش وأسد الحجاز ، وكان أعرج ، وهو أخو عبد الله بن حسن [بن حسن] بن علي لأمه فاطمة بنت الحسين .

روى عن أبي هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس . واستعمله عبد الله بن الزبير على خراج الكوفة . توفي بمنى ليلة جمع محرما ، ودفن أسفل العقبة .

أخبرنا محمد بن ناصر ، قال: أنبأنا علي بن أحمد بن البسري ، عن أبي عبد الله بن بطة العكبري ، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري ، قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن كردي ، قال:

أخبرنا أبو بكر المروزي ، قال: أخبرت أن عمر بن عبد العزيز قال:

لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتل ابن الزبير أشخص إبراهيم بن [ ص: 47 ] محمد بن طلحة بن عبيد الله وقربه في المنزلة ، فلم يزل كذلك عنده حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان زائرا له ، فخرج معادلا له لا يترك توشيحه وتعظيمه ، فلما حضر باب عبد الملك حضر معه ، فدخل على عبد الملك فلم يبدأ بشيء بعد التسليم أولى من أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز ، لم أدع والله له فيها نظيرا في كمال المروءة والأدب وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة ووجوب الحق وفضل الأبوة إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله وقد أحضرته بابك أسهل عليه إذنك ، وتلقاه ببشرك ، وتفعل به ما تفعل بمثله ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه . فقال عبد الملك: ذكرتنا حقا واجبا ورحما قريبة ، يا غلام ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة . فلما دخل قربه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له: يا ابن طلحة ، إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل والأدب وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق ، فلا تدعن حاجة في خاص من أمرك ولا عام إلا ذكرتها ، قال: يا أمير المؤمنين ، إن أولى الأمور أن يفتتح به الحوائج وترجى به الزلف ما كان لله عز وجل رضى ، ولحق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أداء ، ولك ولجماعة المسلمين نصيحة ، وإن عندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها ، ولا يكون البوح بها إلا وأنت خال ، فأخلني حتى ترد عليك نصيحتي ، قال: دون أبا محمد؟ قال: دون أبا محمد ، قال: قم يا حجاج ، فلما جاز حد الستر قال: قل يا أبا طلحة نصيحتك ، قال: يا أمير المؤمنين ، إنك عمدت إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبعده من الحق وركونه إلى الباطل فوليته الحرمين وبهما من بهما ، وفيهما من فيهما من المهاجرين والأنصار والموالي والأخيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناء الصحابة يسومهم الخسف ، ويطؤهم بالعسف ، ويحكم بينهم بغير السنة ، ويطؤهم بطغام من أهل الشام ، وزعازع لا روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل ، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله راهق ، وفيما بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاثاك لخصومته إياك في أمته ، أما والله لا تنجو هنالك إلا بحجة تضمن لك النجاة ، فاربع على نفسك أو دع . فقال: كذبت ومنت وظن بك الحجاج ما لم نجده عندك ، [ ص: 48 ] فلربما ظن الخير بغير أهله ، قم فأنت الكاذب المائن ، قال: فقمت وما أبصر طريقا ، فلما خلفت الستر لحقني لاحق من قبله فقال للحاجب: احبس هذا ، ادخل يا أبا محمد .

قال: فدخل الحجاج فلبث مليا لا أشك أنهما في أمري ، ثم خرج الآذن: قم يا أبا طلحة ادخل ، فقمت فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج وهو خارج وأنا داخل ، فاعتنقني وقبل ما بين عيني ثم قال: إذا ما جزى الله المتواخين بفضل تواصلهم جزاك الله أفضل ما جزى أخا عن أخيه ، فو الله لئن سلمت لأرفعن ناطرك ، ولأعلين كفك ولأتبعن الرجال غبار قدمك . قال: قلت: تهزأ بي . فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني في مجلسي الأول ثم قال: يا ابن طلحة ، لعل أحدا من الناس شاركك في نصيحتك ، قلت: لا والله ولا أعلم أحدا كان أظهر عندي معروفا ولا أوضح يدا من الحجاج ، ولو كنت محابيا أحدا بديني لكان هو ، ولكني آثرت الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأنت عليه . قال: قد علمت أنك آثرت الله ، ولو أردت الدنيا كان لك في الحجاج كفاية ، وقد أزحت الحجاج عن الحرمين [وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغارا لهما عنه] ووليته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله ، وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية عليهما استزادة له ليلزمه من نصيحتك ما يؤدي به عني إليك [الحق] ، وتصير معه إلى الذي تستحقه ، فاخرج معه فإنك غير ذام صحبته .

544 - سعيد بن أبي الحسن ، أخو الحسن البصري :

روى محمد بن سعد ، قال: حدثنا عارم [بن الفضل ] ، قال: حدثنا [ ص: 49 ] حماد بن زيد ، عن يونس بن عبيد ، قال:

لما مات سعيد بن أبي الحسن حزن عليه الحسن حزنا شديدا ، فأمسك عن الكلام حتى عرف ذلك في مجلسه وحديثه ، فكلم في ذلك ، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل الحزن عارا على يعقوب ، ثم قال: بئست الدار المفرقة .

وقال ابن عون : دفع إلي الحسن برنسا كان لأخيه سعيد لأبيعه ، فقلت: أشتريه أنا ، فقال: أنت أعلم ، ولكني لا أحب أن أراه عليك .

545 - سليمان بن عبد الملك بن مروان :

لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ، ونظر في المرآة ، فقال: أنا الملك الشاب ، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا .

أخبرنا محمد بن ناصر ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار ، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن البيع ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان ، قال: حدثنا أبو عبد الله بن عرفة ، قال: أخبرنا محمد بن عيسى ، أنه سمع عبد الله بن محمد التيمي يقول:

كان سليمان بن عبد الملك [يوما] جالسا ، فنظر في المرآة إلى وجهه ، وكان حسن الوجه ، فأعجبه ما رأى من جماله ، وكان على رأسه وصيفة ، فقال: أنا الملك الشاب ، فرأى شفتي جاريته تتحركان ، فقال لها: ما قلت؟ قالت: خيرا . قال: لتخبريني ، قالت: قلت:


أنت نعم المتاع لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإنسان

وزاد غيره في الشعر بيتا آخر ، فقال:


أنت خلو من العيوب ومما     يكره الناس غير أنك فاني

[ ص: 50 ]

ثم خرج إلى المسجد يخطب ، فسمع أقصى من في المسجد صوته ، ثم لم يزل يضعف ، وانصرف محموما حمى موصولة بمنيته ، فكانت وفاته سنة تسع وتسعين ، وهو ابن أربعين سنة .

توفي بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين - وقيل مضين - من صفر . وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام .

أخبرنا ابن ناصر ، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد ، قال: أخبرنا أبو علي التميمي ، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال:

حدثنا يزيد ، قال: حدثنا عبد الله بن يونس ، عن سيار أبي الحكم ، قال:

لما دخل سليمان بن عبد الملك قبره أدخله عمر بن عبد العزيز وابن سليمان فاضطرب على أيديهما ، فقال ابنه: عاش والله [أبي] ، فقال: لا والله ولكن عوجل أبوك .

546 - عبد الله بن مطر ، أبو ريحانة :

روى عن ابن عمر ، وسفينة .

أخبرنا عبد الله بن علي المقري ، قال: أخبرنا طراد بن محمد ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، قال: حدثنا الحسين بن صفوان ، قال: حدثنا أبو بكر بن عبيد الله ، قال: حدثني محمد بن الحسين ، قال: حدثني موسى بن عيسى العابد ، قال: حدثنا ضمرة ، عن فروة الأعمى ، قال:

ركب أبو ريحانة البحر ، وكان يخيط فيه بإبرة معه ، فسقطت إبرته في البحر ، فقال: عزمت عليك يا رب إلا رددت علي إبرتي ، فظهرت حتى أخذها .

قال: واشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج ، فقال: اسكن أيها البحر ، فإنما أنت عبد حبشي ، فسكن حتى صار كالزيت . [ ص: 51 ]

547 - عبد الله بن خارجة بن حبيب بن قيس بن عمرو بن حارثة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان :

شاعر من أهل الكوفة ، متعصب لبني أمية ، وهو الأعشى ، أعشى بني ربيعة .

دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده يقول :


وما أنا في أمري ولا في خصومتي     بمهتضم حقي ولا قارع قرني
ولا مسلم مولاي عند جناية     ولا خائف مولاي من شر ما أجني
وإن فؤادي بين جنبي عالم     بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضلني في الشعر واللب أنني     أقول على علم وأعرف من أعني
فأصبحت إذ فضلت مروان وابنه     على الناس قد فضلت خير أب وابن

فقال عبد الملك من يلومني على هذا ، وأمر له بعشرة آلاف درهم ، وعشرة تخوت من ثياب ، وعشر قلائص من الإبل ، وأقطعه ألف جريب .

ودخل عليه يوما فأنشده يقول:


رأيتك أمس خير بني معد     وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الضعف ضعفا     كذاك تزيد سادة عبد شمس

548 - القاسم بن مخيمرة الهمداني :

كوفي الأصل ، ثم نزل الشام . روى عن عبد الله بن عمر ، وعن خلق كثير من التابعين .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد له عن الأوزاعي ، عن القاسم ، أنه كره صيد الطير أيام فراخه . [ ص: 52 ]

وروى سعيد بن عبد العزيز ، عن القاسم بن مخيمرة ، قال: ما اجتمع على مائدتي لونان من طعام ، ولا غلقت بابي ولي خلفه هم ، وأتيت عمر بن عبد العزيز فقضى عني سبعين دينارا ، وحملني على بغلة وفرض لي في خمسين فقلت: أغنيتني عن التجارة ، فسألني عن حديث ، فقلت : هبني يا أمير المؤمنين ، كأنه كره أن يحدثه بعد لأجل العطاء .

549 - محمود بن الربيع بن الحارث بن الخزرج :

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعقل مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين .

وتوفي في هذه السنة وهو ابن ثلاث وتسعين سنة . وقيل: أربع وتسعين سنة . [ ص: 53 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية