الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب ذكر خلافة مروان بن محمد بن مروان

وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ، ويكنى أبا عبد الله ، وقيل: أبا عبد الملك ، وقيل: أبا الوليد ، أمه أم ولد كردية ، وقيل: رومية ، اسمها مارية البرما ، بويع له وهو ابن إحدى وخمسين سنة ، ويلقب بالجعدي؛ لأن الجعد بن إبراهيم كان مؤدبه ، وكان الجعد متهما بالزندقة ، فقتله خالد بن عبد الله القسري ، وخص مروان في ملكه بأشياء لم تكن لمن بعده ، منها البقرة التي يضرب بها المثل ، كان يقف تحته في الحرب يومه وليلته لا يبول ولا يروث .

قال الأصمعي: خطباء بني أمية خمسة: معاوية ، وعبد الملك ، وعمر بن عبد العزيز ، وهشام ، ومروان بن محمد .

وفي هذه السنة: انتقض على مروان أهل حمص ، وسائر أهل الشام فحاربهم .

وذلك أنه أقام بحران بعد أن بويع له أربعة أشهر ، وقيل: ثلاثة أشهر -وهو الأصح- ثم خالفه أهل الشام ، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم ، راسلهم وكاتبهم ، فبلغ مروان خبرهم ، فسار إليهم بنفسه ومعه إبراهيم بن يزيد المخلوع ، وسليمان بن هشام يكرمهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه ، فانتهى إلى حمص ، فأحدقت بها خيله فأشرفوا عليه ، فناداهم مناديه: ما الذي دعاكم إلى النكث؟ فقالوا: لم ننكث ، فاقتحم عمرو بن الوضاح في ثلاثة آلاف ، فقاتلوهم داخل المدينة ، فلما كثرتهم خيل [ ص: 261 ] مروان انتهوا إلى باب من أبواب المدينة يقال له: باب تدمر ، فخرجوا منه والروابط عليهم ، فقاتلوهم ، فقتل عامتهم وأسر منهم قوم ، فأتي بهم مروان فقتلهم ، وأمر بالقتلى وهم نحو من ستمائة ، فصلبوا حول المدينة ، وهدم من حائط المدينة نحو من غلوة ، وثار أهل الغوطة إلى دمشق فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو ، وولوا عليهم يزيد بن خالد القسري ، وقتل مروان خلقا كثيرا ، وأقام بدير أيوب حتى بايع لابنيه: عبيد الله ، وعبد الله ، وزوجهما ابنتي هشام بن عبد الملك ، وهما: أم هشام ، وعائشة . وقطع على جند أهل الشام بعثا ، وأمرهم باللحاق بيزيد بن عمر بن هبيرة ، وكان قبل مسيره إلى الشام قد وجهه في عشرة آلاف من أهل قنسرين والجزيرة ، وصيره مقدمة له وانصرف مروان إلى قرقيسياء وابن هبيرة بها ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الحروري .

وأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق [مع قوادهم] ، فزادهم حتى جاءوا الرصافة فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته .

وفي هذه السنة: خرج الضحاك بن قيس الشيباني ، فدخل الكوفة . وسبب ذلك أنه لما قتل الوليد خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد بن بهدلة الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة وفيهم الضحاك ، فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشام ، وخرج بسطام البيهقي وهو مفارق لرأيه في مثل عدتهم من ربيعة ، فسار كل واحد منهما إلى صاحبه ، فلما تقارب العسكران قتل بسطام وجميع من معه إلا أربعة عشر لحقوا بمروان ، فكانوا معه . ثم مضى سعيد بن بهدلة نحو العراق لما بلغه من تشتت الأمر بها ، واختلاف أهل الشام ، فمات سعيد بن بهدلة من طاعون أصابه ، واستخلف الضحاك بن قيس ، فاجتمع مع الضحاك نحو من ألف ، فتوجه إلى الكوفة ومر بأرض الموصل فاتبعه منها ومن السواد نحو من ثلاثة آلاف ، فبرز له أهل الكوفة فهزمهم واستولى على الكوفة [ ص: 262 ] ومضى إلى واسط فحاصرها وخرجوا يقاتلونه ، فلم يزالوا على ذلك شعبان ورمضان وشوالا ، ثم خرج والي واسط إلى الخارجي فبايعه .

وفيها: خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد ونصب له الحرب . وذلك أنه لما شخص مروان إلى الرقة لتوجه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس استأذنه سليمان بن هشام أن يقيم [أياما] لإصلاح أمره ، فأذن له فقيل له: أنت أرضى عند أهل الشام من مروان وأولى بالخلافة ، فأجابهم وعسكر بهم وسار بهم إلى قنسرين ، وكاتب أهل الشام فانفضوا إليه من كل جانب ، فأقبل إلى مروان وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره ، واجتمع إلى سليمان بن هشام نحو من سبعين ألفا من أهل الشام وغيرهم ، فلما دنا منه مروان قدم إليه السكسكي في نحو من سبعة آلاف ، ووجه مروان عيسى بن مسلم في نحو من عدتهم ، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا ، وانهزمت مقدمة مروان ، فانهزم سليمان ، واتبعته خيول مروان تقتلهم وتأسرهم ، واستباحوا عسكرهم ، وقتل منهم أكثر من ثلاثين ألفا ، ومضى سليمان مفلولا حتى انتهى إلى حمص ، فانضم إليه من أفلت من أصحابه ، فعسكر بهم ، وبنى ما كان مروان هدمه من حيطانها ، وجاءهم مروان فخرجوا إليه فاقتتلوا ، وعلم سليمان أنه لا طاقة له بهم ، فذهب إلى تدمر . ونزل مروان بحمص فحاصرهم عشرة أشهر ، ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا وهم في ذلك يخرجون إليه فيقاتلونه ، ثم استأمنوه على أن يدفعوا إليه جماعة ممن كان يسبه ويؤذيه ، فقبل ذلك منهم ، ثم أقبل متوجها إلى الضحاك ، فارتحل الضحاك حتى لقي مروان بكفرتوثا من أرض الجزيرة .

وفي هذه السنة: توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظة ، وقحطبة بن شبيب إلى مكة ، فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها ، وأعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا ، فأمرهم بدفع ذلك إلى عروة مولى محمد بن علي ، وكانوا قدموا معهم ب أبي مسلم في ذلك العام ، فقال سليمان بن كثير لإبراهيم: هذا مولاك .

[ ص: 263 ]

وفي هذه السنة: حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على مكة والمدينة والطائف ، وكان العامل على العراق النضر بن الحرشي ، وكان بخراسان نصر بن سيار .

التالي السابق


الخدمات العلمية