الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب ذكر خلافة المنصور

وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، ويكنى أبا جعفر ، ولد بالسراة في ذي الحجة سنة خمس وتسعين ، وأمه بربرية يقال لها سلامة ، وحكى الصولي أنه ولد يوم مات الحجاج .

أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد البزاز ، قال: أخبرنا محمد بن المظفر الحافظ ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، قال: حدثنا الحارث بن محمد ، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم ، قال: حدثني [أبو] سهل الحاسب ، قال: حدثني طيفور مولى أمير المؤمنين ، قال: حدثتني سلامة أم أمير المؤمنين ، قالت: لما حملت بأبي جعفر رأيت كأنه خرج من فرجي أسد فزأر ، ثم أقعى ، فاجتمعت حوله الأسد ، فكلما انتهى إليه أسد سجد له .

أخبرنا القزاز ، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب ، قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد [بن عبد الله] بن زياد القطان ، قال: أخبرنا محمد بن الفرج الأزرق ، قال: حدثني يحيى بن غيلان ، قال: حدثنا أبو عوانة ، عن [ ص: 335 ] الأعمش ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن عبد الله بن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "منا السفاح والمنصور والمهدي" .

ولي المنصور الخلافة وهو ابن اثنتين وأربعين سنة . بويع بالأنبار يوم مات السفاح . وولي ذلك والإرسال به في الوحدة عيسى بن علي عمه ، ولقيت أبا جعفر بيعته في الطريق عند منصرفه من الحج ، ومضى أبو جعفر حتى قدم الكوفة وصلى بالناس .

ذكر صفته:

أخبرنا أبو منصور بن عبد الرحمن بن محمد [القزاز] ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس ، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، قال: حدثني حمدون بن سعد المؤذن ، قال: رأيت أبا جعفر يخطب على المنبر متعرق الوجه ، يخضب بالسواد ، وكان أسمر طويلا نحيفا خفيف العارضين ، وأمه أم ولد يقال لها: سلامة .

أخبرنا عبد [الرحمن] بن محمد ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد [بن] المفيد ، قال: حدثنا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري ، قال: أخبرنا طاهر بن يحيى بن حسن الطالبي ، عن علي بن حبيش المديني ، عن علي بن ميسرة الرازي ، قال: رأيت أبا جعفر بمكة فتى أسمر اللون ، رقيق السمرة ، موفر الجمة ، خفيف اللحية ، رحب الجبهة ، أقنى الأنف ، بين القنى ، أعين ، كأن عينيه لسانان ناطقان [ ص: 336 ] تخالطه أبهة الملوك ، بزي النساك ، تقبله القلوب ، وتتبعه العيون ، يعرف الشرف في تواضعه [والعتق في صورته] واللب في مشيته .

ذكر أولاده

[كان له] المهدي واسمه محمد ، وجعفر ، أمهما أروى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميرية ، وكانت تكنى أم موسى ، وكان المنصور قد شرط لها ألا يتزوج عليها ، ولا يتسرى ، وكتبت عليه بذلك كتابا وأشهدت عليه شهودا ، فبقي عليه عشر سنين من سلطانه كذلك ، وكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه ليفتيه برخصة ، فإذا علمت أم موسى أرسلت إلى ذلك الفقيه بمال فلا يفتيه ، فلما ماتت أتته وفاتها وهو بحلوان ، فأهديت إليه تلك الليلة مائة بكر .

ومن أولاد المنصور صالح ، أمه أمة ، ويقال: بنت ملك الصغد . وسليمان ، وعيسى ، ويعقوب ، أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله . والغالية أمها من ولد خالد بن أسيد . وجعفر ، والقاسم ، وعبد العزيز ، والعباس .

فأما جعفر بن أبي جعفر فولي الموصل لأبي جعفر ومات ببغداد ، فولد لجعفر إبراهيم ، وزبيدة وهي أم جعفر ، أمهما سلسل أم ولد جعفر بن جعفر ، وعبيد الله بن جعفر ، وصالح بن جعفر ، ولبابة بنت جعفر . فأما إبراهيم فلا عقب له . وأما زبيدة فتزوجها هارون الرشيد ، وأما لبابة فكانت عند موسى بن المهدي ، وأما عيسى بن جعفر فولي البصرة وكورها وفارس والأهواز واليمامة والسند .

أخبرنا [أبو] منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال: أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي ، قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن عمر الحافظ ، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي ، قال: حدثني عبد الصمد ، قال: حدثني أبي موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام ، عن أبيه محمد بن إبراهيم ، قال: [ ص: 337 ] قال المنصور يوما ونحن جلوس عنده: أتذكرون رؤيا كنت رأيتها ونحن بالشراة؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين ما نذكرها ، فغضب من ذلك ، وقال: كان ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب وتعلقوها في أعناق الصبيان ، فقال عيسى بن علي: إن كنا قصرنا في ذلك فنستغفر الله يا أمير المؤمنين ، فليحدثنا أمير المؤمنين بها ، قال: نعم ، رأيت كأني في المسجد الحرام ، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ، وبابها مفتوح ، والدرجة موضوعة ، وما أفقد أحدا من الهاشميين ولا من القرشيين ، إذا مناد ينادي:

أين عبد الله؟ فقام أخي أبو العباس فتخطى الناس حتى صار على الدرجة ، فأخذ بيده فأدخل البيت ، فما لبث أن خرج علينا ومعه قناة عليها لواء قدر أربعة أذرع وأرجح ، فرجع حتى خرج من باب المسجد ، ثم نودي: أين عبد الله؟ فقمت أنا وعبد الله بن علي نستبق حتى صرنا إلى الدرجة ، فجلس فأخذ بيدي فأصعدت فأدخلت الكعبة ، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وبلال . فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني ، وكان كورها ثلاثة وعشرين كورا ، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة .

أخبرنا ابن ناصر الحافظ ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي ، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازني ، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال: حدثنا أبو سهل [بن] علي بن نوبخت قال: كان جدنا نوبخت على دين المجوسية ، وكان في علم النجوم نهاية وكان محبوسا بسجن الأهواز ، فقال: رأيت أبا جعفر المنصور وقد أدخل السجن ، فرأيت من هيبته وحالته وسيماه وحسن وجهه وثيابه ما لم أره لأحد قط . قال: فصرت من موضعي إليه فقلت: يا سيدي ليس وجهك من وجوه هذه البلاد ، فقال: أجل يا مجوسي ، قلت: فمن أي البلاد أنت؟ فقال: من المدينة ، فقلت: أي مدينة؟ فقال: مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت: وحق الشمس والقمر إنك لمن ولد صاحب المدينة؟ قال: لا ، ولكنني من عرب المدينة . قال: فلم أزل أتقرب إليه وأخدمه حتى سألته عن كنيته ، فقال: كنيتي أبو جعفر ، قلت: أبشر فوحق المجوسية لتملكن جميع ما في هذه البلدة حتى تملك [ ص: 338 ] فارس وخراسان والجبال ، فقال لي: وما يدريك يا مجوسي؟ قلت: هو كما أقول ، فاذكر لي هذه البشرى ، قال: إن قضي شيء فسوف يكون ، قال: فقلت: قد قضاه الله من السماء فطب نفسا ، فطلبت دواة فوجدتها ، فكتب لي: بسم الله الرحمن الرحيم ، يا نوبخت إذا فتح الله على المسلمين ، وكفاهم مئونة الظالمين ، ورد الحق إلى أهله لم نغفل عما يجب من حق خدمتك إيانا . وكتب: أبو جعفر .

قال نوبخت: فلما ولي الخلافة صرت إليه وأخرجت الكتاب ، فقال: أنا له ذاكر ولك متوقع ، والحمد لله الذي صدق وعده ، وحقق الظن ، ورد الأمر إلى أهله .

وأسلم نوبخت وكان منجما لأبي جعفر ومولى .

ذكر بيعة المنصور

لما حضرت السفاح الوفاة أمر الناس بالبيعة لأخيه المنصور ، فبويع له يوم توفي أخوه والمنصور يومئذ بمكة . وكان الذي أخذ له البيعة بالعراق ، وقام بأمر الناس عمه عيسى بن علي ، وكتب إليه يعلمه بموت أخيه وبالبيعة له ، فلما وصل الكتاب إليه دعا الناس فبايعوه وبايعه أبو مسلم .

[وقيل: بل عرف الخبر أبو مسلم] قبله ، فأنفذ الكتاب إليه ، وتأخر عن بيعته يومين ليرهبه .

وفي رواية: أنه ورد عليه الخبر بعدما صدر من الحج في منزل يقال له: صفية ، فتفاءل باسمه ، وقال: صفي أمرنا إن شاء الله . وجعل يجزع ، فقال له أبو مسلم: ما هذا الجزع؟ قال: أتخوف من شر عبد الله بن علي وسعيد بن علي ، قال: لا تخف وأنا أكفيك أمره إن شاء الله ، إنما عامة جنده أهل خراسان وهم لا يعصوني ، فسري عن أبي جعفر ، وكان عبد الله بن علي قد قدم في هذه السنة على أبي العباس الأنبار ، فعقد له على الصائفة في أهل خراسان وأهل الشام ، وأهل الجزيرة والموصل ، فسار فأتته وفاة أبي العباس ، وبعث إليه عيسى بن علي ، وأبو الجهم بن يزيد بن زياد ببيعة المنصور ، فانصرف بمن معه إلى حران وبايع لنفسه .

[ ص: 339 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية