الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حديث حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة

ثم قد يكون في الأخذ مفسدة يكون تركه أفضل ، وأما أخذه للنفس فليس أفضل إلا عند الحاجة إذا لم يكن فيه مفسدة ، وإلا فالغنى عن المال خير من أخذ الإنسان لنفسه .

فنقول : إذا بذل للإنسان مال لنفسه فقد يتركه استعلاء على المعطي وارتفاعا ، وقد يتركه لئلا يستعلي المعطي عليه ويرتفع ، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، فالأول مذموم ، فإن التكبر على الناس وإرادة العلو عليهم مذمومة . وأما الثاني فلا بأس به ، فإن الإنسان لا يذم بأن يحب أن يعلو عليه غيره ولا بأن يحب أن لا يعلو عليه غيره ، بل هذا يحمد ، فإن علو الغير عليه فيه ذل لدينه ، ونقص له ، واستعباد غير الله له . وهذه هي العزة التي قصدها من لم يقبل المال ، كقول أحمد : دعنا نعيش في عز الغنى عن الناس . فإنه كما قال القائل : ما وضعت يدي في قصعة أحد ، إلا ذللت له .

ولا ريب أن من نصرك أو رزقك كان له سلطان عليك ، فالمؤمن [ ص: 21 ] يؤثر أن لا يكون عليه سلطان إلا لله ولرسوله ولمن أطاع الله ورسوله ، وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه ، فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه كان حسنا محمودا ، يصح له دينه بذلك ، وإن قصد الترفع عليهم والترؤس والمرآة بالحال الأولى كان مذموما . وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم وترك أموالهم لهم .

فهذه أربع مقاصد صالحة : غنى نفسه وعزتها ، حتى لا يفتقر إلى الخلق ولا يذل لهم ، وسلامة مالهم ودينهم ، [فكما] يتألفون بالعطاء لهم ، فكذلك في إبقاء أموالهم ، وقد يكون في ذلك أيضا حفظ دينهم ، فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضا في أنواع من المعاصي ويتركون أنواعا من الطاعات ، فلا يقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وفي ذلك منافع ومقاصد أخرى صالحة ، حتى لا ينقص عليهم أموالهم ، فلا يذهبها عنهم ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه ، ففي ذلك منفعة له أن لا يذل ولا يفتقر إليهم ، ومنفعة لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم . وقد يكون في ذلك منفعة تأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم هم حتى يقبلوا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث