الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي هذه السنة : بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في رمضان ، وكان المأمون قد مضى إلى معسكر الحسن بن سهل بفم الصلح للبناء ببوران وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه ، فتلقاه الحسن خارج العسكر فثنى الحسن رجله لينزل ، فقال له العباس : بحق أمير المؤمنين لا تنزل . فاعتنقه الحسن وهو راكب .

ووافى المأمون وقت العشاء ، فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران وابتنى بها من ليلته ، ونثرت عليه جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب ، وأقام المأمون عند الحسن سبع عشر يوما يعد له كل يوم ولجميع من معه جميع ما يحتاج إليه ، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم ، وكان يبلغ النفقة خمسين ألف ألف درهم ، وأمر المأمون غسان بن عباد أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف درهم من مال فارس ، فحملت إليه ففرقها في أصحابه وأقطعه فم الصلح ، فلما انصرف المأمون شيعه الحسن ، ثم رجع إلى فم الصلح ، وكان ذهاب المأمون ومقامه ورجوعه أربعين يوما ، ودخل إلى بغداد يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال .

وقيل : خرج المأمون إلى الحسن لثمان خلون من رمضان ، ورحل من فم الصلح لثمان بقين من شوال سنة عشر ومائتين . [ ص: 217 ]

أخبرنا أبو منصور القزاز قال : أخبرنا أبو بكر [أحمد بن علي بن ثابت] الحافظ قال : أخبرني أحمد بن محمد بن يعقوب الوزان قال : حدثني جدي محمد بن عبيد الله بن الفضل قال : حدثنا محمد بن يحيى الصولي ، حدثنا عون بن محمد ، حدثنا عبد الله بن أبي سهل قال : لما بنى المأمون ببوران بنت الحسن فرش له يوم البناء حصير من ذهب مشفوف ، ونثر عليه جوهر كثير ، فجعل بياض الجوهر يشرف على صفرة الذهب ، وما مسه أحد ، فوجه الحسن إلى المأمون هذا النثار نحب أن نلتقطه ، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء : شرفن أبا محمد ، فمدت كل واحدة منهن يدها فأخذت درة ، وبقي باقي الدر يلوح على الحصير .

أخبرنا القزاز قال : أخبرنا الخطيب قال : وقيل إن الحسن نثر على المأمون نثر ألف حبة جوهر ، وأشعل بين يديه شمعة عنبر وزنها مائة رطل ، ونثر على القواد رقاعا فيها أسماء ضياع ، فمن وقعت بيده رقعة أشهد له الحسن بالضيعة ، وكان يجري مدة إقامة المأمون عنده على ستة وثلاثين ألف ملاح ، فلما أراد المأمون أن يصاعد أمر له بألف ألف دينار ، وأقطعه فم الصلح .

وفي هذه السنة : خرج عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر ، وذلك أنه لما بعث نصر بن شبث العقيلي إلى المأمون كتب المأمون إليه يأمره بالمسير إلى مصر ، فخرج وكان هناك عبيد الله بن السري بن الحكم ، فخرج يقاتل ، فحمل أصحاب عبد الله عليه فهزم ، فتساقط عامة أصحابه في النهر ودخل الفسطاط منهزما ، فأغلق على نفسه وأصحابه الباب ، فحاصره ابن طاهر ، فبعث إليه ليلا ألف وصيف و [ألف] [ ص: 218 ] وصيفة ، مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير فردها ، وكتب إليه : لو قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا : بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها فحينئذ طلب الأمان ، وخرج إليه .

وكتب إلى المأمون أن ابن طاهر لما فتح مصر في أسفل كتاب له .


أخي أنت ومولاه ومن أشكر نعماه     فما أحببت من شيء
فإني الدهر أهواه     وما تكره من شيء
فإني لست أرضاه     لك الله على ذاك
لك الله لك الله

وفي هذه السنة : فتح ابن طاهر الإسكندرية .

وفيها : خلع أهل قم السلطان ، ومنعوا الخراج ، فكان خراجهم ألفي ألف درهم .

وسبب ذلك : أنهم استكثروا ما عليهم من الخراج ، وكان المأمون لما اجتاز بالري حين قصد بغداد حط عن أهل الري جملة من الخراج ، فطمع هؤلاء في مثل ذلك ، فسألوه الحط عنهم ، فلم يجب فامتنعوا من الأداء ، فوجه إليهم المأمون علي بن هشام ، ثم أمده بعجيف بن عنبسة ، فظفر بهم وهدم سور قم ، وجباها أربعة آلاف ألف ضعف ما تظلموا منه .

وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو والي مكة .

التالي السابق


الخدمات العلمية