الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              باب الجارية يغتصبها الرجل فيزيد ثمنها عند الغاصب أو ينقص ثم تتلف في يد الغاصب

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من غصب جارية صغيرة فكبرت، أو [مهزولة فسمنت] ، أو مريضة فبرئت، أو كانت تساوي (ألفا) [فزادت] قيمتها فجاء المغصوب والجارية في يد الغاصب أن عليه دفعها إلى المغصوب ولا شيء [عليه] [فيما نمت به] أو أنفق (عليها) ، واختلفوا فيه إن زادت قيمتها و[تلفت] في يد الغاصب .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: إذا غصب الرجل جارية تساوي مائة دينار فزادت في يديه بتعليم منه وبسمن واغتذاء (من ماله) حتى صارت تساوي ألفا فتلفت فلم تدرك [بعينها] كانت على الغاصب قيمتها في أكثر ما كانت (قيمته) منذ غصبت إلى أن هلكت. هذا قول الشافعي، وبه قال أبو ثور.

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان: أن عليه إذا ماتت الجارية قيمتها يوم غصبها. هذا قول [ ص: 18 ] مالك بن أنس وأصحاب الرأي، ومن حجة الشافعي أن الغاصب لم يكن غاصبا ولا ضامنا في حال دون حال لم يزل غاصبا ضامنا يوم غصب [الجارية] إلى أن (ماتت) أو ردها ناقصة، فلم يكن الحكم عليه في الحال الأول بأوجب منه في الحالة الثانية، ولا في الحالة الثالثة بأوجب منه في الحالة الآخرة، لأن عليه في كلها أن يكون رادا لها وهو في كلها [ضامن غاصب] ، فلما كان للمغصوب أن يغصبها قيمة مائة فيدركها قيمة ألف [فيأخذها] ويدركها ولها عشرون ولدا فيأخذها وأولادها كان الحكم في زيادتها في بدنها (كالحكم) في بدنها حين غصبها تملك منها زائدة بنفسها وولدها ما ملك منها ناقصة حين غصبها .

                                                                                                                                                                              (ولا فرق) بين أن يقتلها وولدها وتموت هي وولدها في يديه من قبل [أنه] إذا كان كما وصفت يملك ولدها كما يملكها، ولا يختلف [ ص: 19 ] أحد علمته في أنه لو غصب رجل جارية فماتت في يديه موتا أو قتلها قتلا ضمنها في الحالين جميعا .

                                                                                                                                                                              كذلك واختلفوا في الجارية يغصبها الرجل فتنقص قيمتها في يديه، ثم يدركها المغصوب، فكان الشافعي يقول: يأخذها وما نقصها عند الغاصب، وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              وقال مالك في رجل غصب رجلا جارية شابة فكبرت عنده حتى صارت عجوزا فيأتي المغصوب، قال: الهرم فوت وله القيمة .

                                                                                                                                                                              قال (ابن) القاسم: لأنه لو غصبها فأصابها عند الغاصب عيب مفسد كان لربها أن يضمنه جميع قيمتها يوم غصبها عند مالك، وكذلك الهرم وهو بمنزلة العيب [المفسد] .

                                                                                                                                                                              وقيل (لابن) القاسم: أرأيت إن قطع الغاصب يدها أيكون لربها أن يضمنه ما نقصها القطع ويأخذ جاريته في قول مالك؟ قال: نعم، لأن قطعه يدها جناية منه قلت: فإن كان الذي قطع يدها أجنبي من الناس فهرب، فلم يقدر عليه فأتى ربها واستحقها، أيكون له أن يأخذ [ ص: 20 ] جاريته ويضمن الغاصب ما نقصها؟ قال: لا، ليس له أن يأخذ (إلا) جاريته ويتبع الجاني إن أحب [أو] يأخذ قيمتها يوم غصبها ليس له غير ذلك .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وقد أجمع مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور على أن الرجل إذا غصب رجلا جارية تساوي ألف درهم فغلا الرقيق فساويت في وقت الغلاء ألفي درهم، ثم رجعت الأسواق على حالها يوم غصبها ولم (تنقص) الجارية في نفسها، هي على حالها أن المغصوب يأخذها ولا شيء على الغاصب فيما ذكرناه من زيادة السوق، والجواب في نقصان قيمتها لتغير السعر كالجواب في الزيادة .

                                                                                                                                                                              وبه نقول .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية