الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              (باب ذكر) الطعام يغصبه الغاصب ثم يطعمه صاحبه

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يغصب حنطة أو تمرا أو ثوبا يخفى، ثم إن الغاصب وهب ذلك الشيء لربه أو (هداه إليه) فأكل مالك الطعام الطعام أو لبس الثوب حتى بلى، وهو لا يعلم أن ذلك له: فقالت طائفة: لا شيء على الغاصب، لأنه قد رد إليه ملكه وإن كان لا يعلم. هذا قول أبي ثور ، وبه قال أصحاب الرأي، وكذلك نقول، وذلك مثل الرجل يأخذ الدينار من كيس الرجل وهو لا يعلم، ثم يلقيه [ ص: 79 ] في كيسه أنه لا ضمان عليه، فكذلك الذي أخذ الطعام ثم رده إلى صاحبه .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إذا أطعمه إياه والمغصوب لا يعلم به كان متطوعا بالإطعام وكان عليه الضمان، وإن كان المغصوب يعلم أنه طعامه فأكله فلا شيء له عليه من قبل أن سلطانه إنما كان على أخذ طعامه فقد أخذه هذا قول الشافعي .

                                                                                                                                                                              (قال الشافعي ) : وإن اختلفا فقال المغصوب: أكلته ولا أعلم أنه [طعامي]. وقال الغاصب: أكلته وأنت تعلم. فالقول قول المغصوب مع يمينه إذا أمكن أن يكون ذلك بوجه من الوجوه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: يقال لبعض من تكلم عنه: أرأيت لو أخذ صرة دنانير وهو لا يعلم، ثم دفع الصرة إليه (وسكت وهو لا يعلم أنها صرته وأنفقه، أيبرأ حين دفعه إليه) ؟ فإن قال: يبرأ، سئل عن الفرق بين ذهبه وطعامه، وإن قال: لا يبرأ، سئل عن العلة التي تمنع رد الذهب على صاحبه من البراءة. ولا أحفظ أن أحدا قال في الصرة إذا ردها عليه: أنه لا يبرأ .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: قال أصحاب الرأي: إذا (غصبه تمرا) فنبذه [ ص: 80 ] (الغاصب) ثم سقاه إياه. قال: الغاصب ضامن (لثمن مثل) تمره أو قيمته، لأنه استهلكه حين نبذه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وقياس قولهم في الحنطة يغتصبها ثم يجعلها سويقا أو دقيقا أو سميدا أو (نشاستج) ثم أهداه إلى صاحب الحنطة أن عليه قيمة كل شيء (منه) غيره عن حاله لصاحبه. فرقوا [بين] الشيء بعينه يهديه إلى صاحبه وبين كل شيء غير عن حاله ثم أهداه إلى صاحبه. وقد حكى أبو ثور عنهم أنهم قالوا: (لو أن لصا دخل دار رجل) ولصاحب الدار حمار ورحى وحنطة، فألقى الحنطة في دلو صاحب الدار [ثم] ساق الحمار حتى طحن الحنطة فجاء صاحب المنزل إلى اللص أن (يقاتله على الدقيق حتى يقتله وذلك أنه ملك له) في قوله .

                                                                                                                                                                              قال أبو ثور: فأي شيء أعجب من قول هذا القائل؟! وقد قال بعض أصحاب أبي ثور (ممن) يكثر خلافه وخلاف الشافعي، كأنه تأول في [ ص: 81 ] دفع رب الدار عن الدقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد" .

                                                                                                                                                                              كأنه رأى أن الدقيق له، وأن لصاحب الحنطة حنطة مثلها، وأنه ظالم له حيث دفعه عن دقيقه الذي (صار) له لما غيره عن حاله .

                                                                                                                                                                              وقال أبو ثور: قد كان ينبغي لقائل هذا أن لا يعد في أهل العلم، ولا أحسب عالما ولا جاهلا ورد عليه هذا القول إلا أنكره .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: والذي أقول به أن الدقيق والسويق والسميد وغير ذلك لصاحب الحنطة وعلى الغاصب ما نقص ذلك. وإن أهدى ذلك لصاحبه فهو بريء منه إلا النقصان الذي لزمه بتغيير ذلك عن حالته، ولا يملك الغاصب بتعديه شيئا بوجه ولا بسبب، وقد ذكرنا ما يلزمه في مثل ما قلناه فيما مضى .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية