الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر الشهادة على الجارية المغصوبة

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: واختلفوا في الشاهد يشهد أن هذه الجارية جارية زيد اغتصبها منه فلان ابن فلان (وشهد شاهد) على إقرار الغاصب بذلك، ففي قول الشافعي وأبي ثور: يحلف زيد مع أي الشاهدين شاء، ويأخذ جاريته إذا كان الشاهد عدلا .

                                                                                                                                                                              وقال أصحاب الرأي شهادتهما [باطلة] لا تجوز .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: ولو أقام رب الجارية شاهدا أنها جاريته، وشاهدا على إقرار الغاصب أنها جاريته كانت شهادتهما [باطلة] في قول أصحاب الرأي. وفي قول الشافعي وأبي ثور: يحلف مع أيهما شاء ويأخذ الجارية. وقد ذكرنا حجتهما في كتاب "الدعوى والبينات" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وإذا باعها الغاصب، وأقام رب الجارية شاهدين على (ملكه لها أو ثبت ملكه) بيمين وشهادة شاهد ثم أجاز بيع الغاصب، كانت إجازته [باطلة] في قول الشافعي وأبي ثور حتى يجد رب الجارية بيعا مستأنفا، وقال أصحاب الرأي: وإذا باعها [ ص: 30 ] الغاصب وسلم رب الجارية البيع فهو جائز .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: قول الشافعي صحيح. وقال أبو ثور: لو أن رجلا قال لرجل: بعني جاريتك، فقال: قد أجزت، كان قوله ذلك باطلا ولم يكن بيعا، فلما قال بشيء لم يكن بيعا في قولهم جميعا: قد أجزت، كان هذا غير جائز، لأن البيع إنما هو أن يقول المشتري: بعني هذه السلعة بكذا وكذا، ويقول البائع: (قد بعتك هذه السلعة بكذا وكذا، ويقول المشتري) : قد قبلت، فيكون هذا بيعا جائزا، وذلك أن (الملك) لا ينتقل إلا بكتاب أو سنة أو إجماع أو التمثيل على هذه الأصول والله أعلم .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وإذا باع الغاصب الجارية وقبض الثمن وقبض المشتري الجارية (وأجاز رب) الجارية ذلك وهلك الثمن، كان البيع باطلا ويأخذ رب الجارية جاريته ويرجع المشتري على الغاصب بالثمن، لأن البيع لم [ينعقد] وهذا على مذهب الشافعي وأبي ثور وبه نقول .

                                                                                                                                                                              وقال أصحاب الرأي في الثمن يهلك عند الغاصب: لا ضمان [ ص: 31 ] (عليه) ، إنما يهلك من مال رب الجارية، قيل (له) لم؟ قال: لأنه قد سلم بيع الغاصب فصار الغاصب وكيلا له وأمينا (له) في قبض الثمن فلا ضمان عليه .

                                                                                                                                                                              وكان مالك بن أنس يرى لرب الجارية أن يجيز البيع، فإن ضاع الثمن عند الغاصب وأجاز البيع، أخذ الثمن من الغاصب، ولا يجعل الغاصب [مؤتمنا] في الثمن، لأن الغاصب لم يزل ضامنا للجارية حين غصبها وللثمن حين باعها، فلا يبرئه من ضمانه الذي لزمه إلا الأداء .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وإن كانت المسألة بحالها فولدت الجارية عند المشتري أو كسبت مالا أو وهب لها، فإن ذلك كله لها في قول أبي ثور ، وللسيد أخذ ذلك في قوله وقول الشافعي إلا في الولد، فإن المشتري عليه قيمة الأولاد وإن كان الولد من غيره كان رقيقا للسيد الأول. وقال أصحاب الرأي: إن ولدت عند المشتري بعدما اشتراها وازدادت خيرا أو اكتسبت مالا أو وهب لها أو تصدق به عليها بعدما اشتراها فهو للمشتري إن كان رب الجارية قد سلم البيع . [ ص: 32 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وهذا كله لرب الجارية في قول الشافعي لا يستحق المشتري من ذلك شيئا، لأن إجازة رب الجارية باطل، والباطل لا يصير حقا وهو [على] ملكه وكل ما (صار) إليها مما ذكرناه، فهو لرب الجارية وكذلك أقول .

                                                                                                                                                                              واختلفوا في المشتري إن أعتق الجارية حين اشتراها، ثم (أجاز رب) الجارية البيع ففي قول الشافعي وأبي ثور العتق باطل (وهي) وما بيدها لربها، لأن البيع لما لم يجز لم يجز عتق المشتري لها، وقال أصحاب الرأي: أما في القياس فلا يجوز عتقه، لأنه أعتق ما لا يملك، وأما في الاستحسان فعتقه جائز .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: قد أقر (أن) عتقه في القياس غير جائز والقياس عنده حق وقد ترك الحق عنده وعمل بخلافه، وحكاية هذا القول تجزئ على [الإدخال] عليه وقال مالك في العتق يأخذها ربها ويردها رقيقا، وذكر ابن القاسم أن قول مالك اختلف في ولدها من المشتري، وقال ابن القاسم : يأخذها ويأخذ قيمة ولدها . [ ص: 33 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وإن كانت المسألة بحالها (و) ماتت الجارية عند المشتري ثم سلم رب الجارية ذلك وأجاز البيع .

                                                                                                                                                                              ففي قول الشافعي وأبي ثور: على الغاصب قيمتها، ولا يجوز ما أجاز (به) رب الجارية. وقال أصحاب الرأي كذلك، لأنها هلكت قبل (أن يجيز) البيع قالوا: وإنما يقع البيع يوم يجيز فإذا كانت ماتت قبل أو استهلكت ولم يقدر عليها لم يجز البيع .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: ولو جنى عليها ففقئت عينها أو قطعت يدها أو انتقص منها شيء فإن ربها يأخذها، ويأخذ أرش ما جنى عليها ممن جنى إذا كان قائما، وإن كان عديما رجع [على] الغاصب بأرش ذلك ويرجع به الغاصب على الجاني إذا (أصابه) في قول أبي ثور .

                                                                                                                                                                              وقال أصحاب الرأي: يكون ذلك للمشتري .

                                                                                                                                                                              قال أبو ثور: وهذا خطأ على قوله، وذلك أن الجناية كانت قبل إنفاذ البيع، وإنما كان الأرش (للمولى) الأول، فكيف يكون للمشتري [ ص: 34 ] وإنما أجاز له بيع الجارية بعد أخذ الأرش وهو يقول: لا يجوز البيع إذا أنفذ ذلك، وقد ماتت فما جنى عليها إنما هو مستهلك منها بمنزلة الموت . والله أعلم .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: كما قال أبو ثور أقول، وقال الشافعي وإذا (اغتصب) الرجل جارية فباعها من آخر، فحدث (لها) عند المشتري عيب ثم جاء المغصوب فاستحقها أخذها وكان بالخيار في أخذ ما نقصها العيب [من الغاصب فإن أخذه لم يرجع على المشتري بشيء، ولرب الجارية الخيار في أن يأخذ ما نقصها] الحادث في يد المشتري، فإن أخذه من المشتري رجع به المشتري على الغاصب وقيمتها الذي أخذ منه، لأنه لم يسلم له (ما اشترى) .

                                                                                                                                                                              وقيل لابن القاسم: أرأيت إن غصبني رجل جارية أو عبدا فأصابها عنده عيب (يسير) غير مفسد واستحقها، فأردت أن أضمنه قيمتها يوم غصبها، وقال الغاصب: ليس ذلك لك، إنما (لك) أن [ ص: 35 ] تأخذ جاريتك ما نقصها العيب، لأن [العيب] غير مفسد، ما القول في هذا في قول مالك؟ قال: قال لي مالك: ليس له إلا [جاريته] إلا أن تنقص في بدنها، ولم يقل لي نقصان قليل ولا كثير وذلك عندي واحد، [إن] نقصت قليلا أو كثيرا إن أحب أن يأخذها معيبة على حالها، وإن أحب أن يضمنه قيمتها يوم غصبها فذلك له، قال: وقلت: أرأيت إن غصبني رجل جارية شابة، فكبرت عنده حتى صارت عجوزا، ثم أقمت [عليه] (البينة) فأردت أن أضمنه قيمتها يوم غصبها مني، وقال الغاصب: هذه جاريتك (خذها) قال: (الهرم) فوت في قول مالك وله القيمة، لأنه لو غصبها فأصابها عند الغاصب عيب مفسد، كان لربها أن (يضمنه) جميع قيمتها يوم غصبها عند مالك، وكذلك الهرم، وإن غصبها فقطع يدها أخذ ما نقصها القطع، ويأخذ (جاريته) في قول مالك، لأن قطعه يدها جناية منه . [ ص: 36 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وفي جميع هذه المسائل الجواب في مذهب الشافعي أن يأخذ رب الجارية جاريته وما نقصها قليلا كان ذلك أو كثيرا، وبه قال أبو ثور وكذلك (نقول) .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية