الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      قلت : فإن وهبها هذا الغاصب لرجل وهو لا يعلم بالغصب ، أو علم به فاغتل هذه الأشياء الموهوبة له ، أو أخذ كراءها ثم استحقها رجل ؟ فقال : الكراء للذي استحقها إن كان الموهوب له علم بالغصب ، كانت الغلة التي اغتل مردودة إلى الذي استحقها ، وإن كان لم يعلم بالواهب له أنه غصب هذه الأشياء نظر ، فإن كان الغاصب الذي غصب هذه الأشياء مليا ، كان غرم ما اغتل هذا الموهوبة له هذه الأشياء على الغاصب إذا كان مليا ، وإذا لم يكن للواهب مال ، كان على الموهوب له أن يرد جميع الغلة . بمنزلة ما لو أن رجلا اغتصب ثوبا أو طعاما فوهبها لرجل ، فأكله أو لبس الثوب فأبلاه ، أو كانت دابة فباعها وأكل ثمنها ، ثم استحقت هذه الأشياء . فإن كان عند الواهب مال أغرم وأسلم للموهوب له هبته إذا لم يعلم بأن الواهب كان غاصبا ، وهذا إذا فاتت في يد الموهوب ، وإن لم يكن للواهب مال أغرم الموهوب له ، وهذا مثل الأول .

                                                                                                                                                                                      قال ابن القاسم : ألا ترى [ ص: 198 ] أن الغاصب نفسه ، لو اغتل هذا العبد أو أخذ كراء الدار ، كان لازما له أن يرد جميع الغلة والكراء إلى مستحق الدار . فلما وهب هذه الأشياء فأخذها هذا الموهوب له بغير ثمن ، فكأنه هو الغاصب نفسه في غلتها وكرائها إذا لم يكن للواهب مال .

                                                                                                                                                                                      ألا ترى لو أن الغاصب مات فتركها ميراثا ، فاستغلها ولده ، كانت هذه الأشياء وغلتها للمستحق ؟ فكذلك الموهوبة له هذه الأشياء ، لا يكون أحسن حالا من الوارث فيها إذا لم يكن للغاصب الواهب مال . أولا ترى لو أن رجلا ابتاع قمحا أو ثيابا أو ماشية ، فأكل القمح ولبس الثياب فأبلاها وذبح الماشية فأكلها ، ثم استحقها رجل أن يغرم المشتري ثمن ذلك كله ، ولا يوضع عنه لاشترائه في سوق المسلمين ، وإنما يوضع عنه ما كان من الحيوان مما هلك في يديه أو دارا احترقت أو انهدمت ; لأنه كان ضامنا لثمنها ومصيبتها منه ، وإن كانت هذه الحنطة والثياب لم يأكلها ولم يبلها حتى أتت عليها جائحة من السماء فذهبت بها ، وله على ذلك البينة ، فلا شيء عليه . فكما كان من اشترى في سوق المسلمين طعاما أو ثيابا أو ماشية فأكلها أو لبسها لم يضع الشراء عنه الضمان ، فكذلك الموهوب له حين وهب له ما ليس هو لمن وهبه له ، إنما اغتصبه واستغله الموهوب له ، لم يكن له ضمان لثمن أخرجه فيه ، كان عليه أن يؤدي ما استغل إذا لم يكن للغاصب الواهب مال ; لأنه أخذ هذه الأشياء بغير ثمن . ومما يبين لك ذلك ، أن الغلة للذي استحق هذه الأشياء ، إن كان وهبها هذا الغاصب .

                                                                                                                                                                                      ولو أن عبدا نزل بلدا من البلدان ، فادعى أنه حر ، فاستعانه رجل فبنى له دارا أو بيتا ، أو وهب له مال فأتى سيده فاستحقه ، أنه يأخذ قيمة عمل غلامه في تلك الدار والبيت إذا كان الشيء له بال ، إلا أن يكون الشيء الذي لا بال له ، مثل سقي الدابة وما أشبهه ، ويأخذ جميع ماله الذي وهب له ، إن كان أكله الموهوب له أو باعه فأخذ ثمنه فعليه غرمه ، إلا أن تكون هذه الأشياء تلفت من يد الموهوب له من غير فعله قد علم ذلك فلا غرم عليه .

                                                                                                                                                                                      قلت : ولم لا يكون الضمان على الموهوب له هذه الأشياء إذا تلفت عنده ، وقد جعلت أنت الغلة للمستحق ; لأنك قلت : الموهوب له في الغلة بمنزلة الغاصب إذا لم يكن للواهب مال ; لأن الغاصب لو اغتل هذه الأشياء أخذ الغلة المستحق منه لهذه الأشياء ، فجعلت الموهوبة له بمنزلة الغاصب في الغلة إذا لم يكن للواهب مال ، فلم لا يكون الموهوبة له هذه الأشياء ، بمنزلة الغاصب إذا لم يكن للغاصب مال في التلف ; لأنك تقول في الغاصب لو تلفت هذه الأشياء عنده بموت أو تلفت من غير فعله كان عليه الضمان ؟ فلم لا يكون ذلك على الموهوب له هذه الأشياء إذا لم يكن للغاصب مال ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لأن الموهوبة له هذه الأشياء لم يتعد والغاصب قد تعدى حين غصبها ، إلا أن يكون الموهوبة له هذه الأشياء قد علم بالغصب ، فقبلها وهو يعلم بالغصب فتلفت عنده ، أنه يضمن ; لأنه مثل الغاصب أيضا . [ ص: 199 ]

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت ما اشتريت من الدور والأرضين والحيوان والثياب وجميع ما يكرى ، وله الغلة أو نخل فأثمرت عندي ، فاستحق جميع ذلك مني رجل أقام البينة ، أن البائع غصبه ، ما قول مالك فيه ؟

                                                                                                                                                                                      قال : قال مالك : الغلة للمشتري بالضمان .

                                                                                                                                                                                      قلت : وجعل مالك ثمر النخلة بمنزلة غلة الدور والعبيد ، جعل ذلك للمشتري ؟ قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن وهب الغاصب هذه الأشياء هبة فاغتلها هذا الموهوبة له ، أتكون غلتها للمستحق ؟ قال : نعم ، ولا تطيب الغلة له ; لأنه لم يؤد في ذلك ثمنا .

                                                                                                                                                                                      قلت : أتحفظه عن مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا أقوم على حفظ قول مالك في الهبة الساعة ، ولا أشك أن الغلة للمستحق إذا كانت في يدي هذا بهبة من الغاصب بحال ما وصفت لك ، ويعطى هذا الموهوبة له هذه الأشياء قيمة عمله فيها وعلاجه .

                                                                                                                                                                                      قلت : ما فرق ما بين الهبة وبين البيع ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لأن في البيع تصير له الغلة إلى الضمان ، والهبة ليس فيها ضمان .

                                                                                                                                                                                      قلت : وما معنى الضمان ؟

                                                                                                                                                                                      قال : معنى الضمان ، أن الذي اشترى هذه الأشياء ، وإن اشتراها من غاصب إذا لم يعلم أنه غاصب ، أن هذه الأشياء إذا تلفت في يدي المشتري بشيء من أمر الله ، كانت مصيبتها من المشتري وتلف الثمن الذي أعطى فيها ، والموهوب له ليس بهذه المنزلة إن تلفت هذه الأشياء من يديه لم يتلف له فيها شيء من الثمن ، فإنما جعلت الغلة للمشتري بالثمن الذي أدى في ذلك . وكانت الغلة له بالضمان بما أدى منها . والموهوب له لا تطيب له الغلة ; لأنه لم يؤد في ذلك شيئا إذا لم يكن للغاصب مال .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية