الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              ذكر حثه - صلى الله عليه وسلم - على النفقة والحملان في سبيل الله تبارك وتعالى

                                                                                                                                                                                                                              في حديث عمران بن حصين - رضي الله عنهما - عند الطبراني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس كل يوم على المنبر فيدعو فيقول : "اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض . فلم يكن للناس قوة . [ ص: 435 ]

                                                                                                                                                                                                                              قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - حض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصدقات فجاءوا بصدقات كثيرة ، فكان أول من جاء أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - جاء بماله كله أربعة آلاف درهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "هل أبقيت لأهلك شيئا ؟ " فقال : أبقيت لهم الله ورسوله . وجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بنصف ماله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "هل أبقيت لأهلك شيئا ؟ " قال : نعم مثل ما جئت به ،

                                                                                                                                                                                                                              وحمل العباس ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن عبادة - رضي الله عنهم - وحمل عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - مائتي أوقية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتصدق عاصم بن عدي - رضي الله عنه - بسبعين وسقا من تمر ، وجهز عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ثلث ذلك الجيش حتى أنه كان يقال : ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : كان ذلك الجيش زيادة على ثلاثين ألفا ، فيكون - رضي الله عنه - جهز عشرة آلاف .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر أبو عمرو في الدرر ، وتبعه في الإشارة : أن عثمان حمل على تسعمائة بعير ومائة فرس بجهازها ، وقال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها .

                                                                                                                                                                                                                              ونقل ابن هشام عمن يثق به : أن عثمان - رضي الله عنه - أنفق في جيش العسرة ألف دينار قلت غير الإبل والزاد وما يتعلق بذلك . قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض . وروى الإمام أحمد ، والترمذي وحسنه ، والبيهقي عن عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - قال : جاء عثمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بألف دينار في كمه حين جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش العسرة ، فصبها في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقلبها بيده ويقول : "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم يرددها مرارا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند ، والترمذي ، والبيهقي عن عبد الرحمن بن خباب - بالمعجمة وموحدتين - رضي الله عنه - قال : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحث على جيش العسرة ، فقال عثمان - رضي الله عنه - علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر فحث فقال عثمان - رضي الله عنه - : علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها ثم نزل مرقاة أخرى فحث فقال عثمان - رضي الله عنه - : علي مائة أخرى [ ص: 436 ] بأحلاسها وأقتابها . فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بيده - هكذا - يحركها كالمتعجب "ما على عثمان ما عمل بعد هذا اليوم" أو قال : - بعدها - .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطيالسي ، والإمام أحمد ، والنسائي عن الأحنف بن قيس - رحمه الله تعالى - قال : سمعت عثمان - رضي الله عنه - يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة :

                                                                                                                                                                                                                              أنشدكم الله ، هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "من جهز جيش العسرة غفر الله له" فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا : اللهم نعم
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              ويأتي في ترجمة عثمان - رضي الله عنه - أحاديث كثيرة في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              قال محمد بن عمر - رحمه الله : وحمل رجال ، وقوى ناس دون هؤلاء من هم أضعف منهم ، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول : هذا البعير بيننا نعتقبه ، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج حتى إن كان النساء يبعثن بما يقدرن عليه ، وحمل كعب بن عجرة واثلة بن الأسقع ، وروى أبو داود ، ومحمد بن عمر عن واثلة بن الأسقع ، - رضي الله عنه - قال : نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، فخرجت إلى أهلي - وقد خرج أول أصحابه - فطفت في المدينة أنادي : ألا من يحمل رجلا وله سهمه ؟ فإذا شيخ من الأنصار - سماه محمد بن عمر : كعب بن عجرة - فقال : سهمه على أن تحمله عقبة وطعامه معنا ؟ فقلت : نعم ، فقال : سر على بركة الله تعالى ، فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا .

                                                                                                                                                                                                                              قال محمد بن عمر : بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة . قال :

                                                                                                                                                                                                                              فأصابني قلائص - قال محمد بن عمر : ستة - فسقتهن حتى أتيته بهن ، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله ثم قال : سقهن مقبلات . فسقتهن ، ثم قال : سقهن مدبرات ، فقال : ما أرى قلائصك إلا كراما ، فقلت : إنما هي غنيمتك التي شرطت لك ، قال : خذ قلائصك يا ابن أخي ، فغير سهمك أردنا .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية