الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              ذكر إرساله - صلى الله عليه وسلم - دحية إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام وقدوم [رسول] هرقل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في ذلك من الآيات

                                                                                                                                                                                                                              لما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك كان هرقل بحمص ، ولم يكن يهم بالذي بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه من جمعه ، ولا حدثته نفسه بذلك .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحارث بن أبي أسامة عن بكر بن عبد الله المزني - رحمه الله تعالى - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر وله الجنة" ؟ فقال رجل : وإن لم يقبل ؟

                                                                                                                                                                                                                              قال : "وإن لم يقبل" فانطلق الرجل فأتاه بالكتاب ، فقرأه فقال : اذهب إلى نبيكم فأخبره أني متبعه ، ولكن لا أريد أن أدع ملكي ، وبعث معه بدنانير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع فأخبره ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كذب" وقسم الدنانير
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد . وأبو يعلى بسند حسن لا بأس به عن سعيد بن أبي راشد قال :

                                                                                                                                                                                                                              لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمص ، وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ المائة أو قرب ، فقلت : ألا تحدثني عن رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل ؟ فقال : بلى ، قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك ، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل ، فلما أن جاء كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا قسيسي الروم وبطارقتها ، ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال : قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم ، وقد أرسل يدعوني إلى ثلاث خصال : أن أتبعه على دينه ، أو أن أعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ، أو نلقي إليه الحرب . والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن [ ص: 458 ] أرضنا فهلم فلنتبعه على دينه ، أو نعطه مالنا على أرضنا ، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا : تدعونا أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز ؟ فلما ظن أنهم إذا خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقاهم ولم يكد وقال : إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم ، ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال . ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ، فجاءني فدفع إلي هرقل كتابا ، فقال : اذهب بكتابي هذا إلى هذا الرجل ، فما سمعته من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال هل يذكر صحيفته التي كتب بشيء ؟ وانظر إذا قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل ؟

                                                                                                                                                                                                                              وانظر في ظهره هل فيه شيء يريبك ؟ قال : فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهري أصحابه محتبيا على الماء ، فقلت : أين صاحبكم ؟ قيل ها هو ذا ، قال فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال : "ممن أنت ؟ " فقلت : أنا أخو تنوخ ، فقال : "هل لك في الإسلام . الحنيفية ملة أبيك إبراهيم ؟ " فقلت : إني رسول قوم وعلى دين قوم [لا أرجع عنه] حتى أرجع إليهم . فضحك وقال إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين [القصص 56] يا أخا تنوخ ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه ، والله ممزقه وممزق ملكه ، وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فمزقها ، والله ممزقه وممزق ملكه . وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير قلت : هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي ، فأخذت سهما من جعبتي فكتبتها في جفن سيفي ، ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قلت : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا : معاوية . فإذا في كتاب صاحبي : تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، فأين النار ؟

                                                                                                                                                                                                                              فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل"

                                                                                                                                                                                                                              قال :

                                                                                                                                                                                                                              فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جفن سيفي ، فلما فرغ من قراءة كتابي قال : "إن لك حقا ، وإنك لرسول ، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها ، إنا سفر مرملون" قال قتادة فناداه رجل من طائفة الناس قال : أنا أجوزه ففتح رحله فإذا هو بحلة صفورية فوضعها في حجري ، قلت من صاحب الجائزة ؟ قيل لي : عثمان ، ثم

                                                                                                                                                                                                                              قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الأنصار : أنا ، فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : "تعال يا أخا تنوخ" فأقبلت أهوى حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه ، فحل حبوته عن ظهره وقال : "ها هنا امض لما أمرت له ، فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم النبوة في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة" . [ ص: 459 ]

                                                                                                                                                                                                                              قال محمد بن عمر : فانصرف الرجل إلى هرقل فذكر ذلك له . فدعا قومه إلى التصديق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأبوا حتى خافهم على ملكه ، وهو في موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف ، وكان الذي خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من تعبئة أصحابه ودنوه إلى وادي الشام لم يرد ذلك ولا هم به .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر السهيلي رحمه الله تعالى : أن هرقل أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدية - فقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هديته وفرقها على المسلمين .

                                                                                                                                                                                                                              ثم إن هرقل أمر مناديا ينادي : ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه ، فدخلت الأجناد في سلاحها وطافت بقصره تريد قتله ، فأرسل إليهم : إني أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم ، فقد رضيت عنكم ، فرضوا عنه .

                                                                                                                                                                                                                              ثم كتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا مع دحية يقول فيه : إني معكم ولكني مغلوب على أمري ، فلما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابه قال : "كذب عدو الله ، وليس بمسلم بل هو على نصرانيته" .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية