الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              ذكر دخوله - صلى الله عليه وسلم - المسجد وطوافه وما وقع في ذلك من الآيات

                                                                                                                                                                                                                              قالوا : مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم في منزله ساعة من النهار حتى اطمأن الناس ، فاغتسل ، ثم دعا براحلته القصواء ، فأدنيت إلى باب قبته ، وعاد للبس السلاح والمغفر على رأسه ، وقد حف الناس به ، فركب راحلته والخيل تمعج بين الخندمة إلى الحجون ، ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جنبه أبو بكر الصديق يسير معه يحادثه ، فمر ببنات أبي أحيحة وقد نشرن شعورهن - يلطمن وجوه الخيل بالخمر ، فنظر رسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر فتبسم وذكر بيت حسان بن ثابت ، فأنشده أبو بكر رضي الله عنه :


                                                                                                                                                                                                                              تظل جيادنا متمطرات يلطمهن بالخمر النساء

                                                                                                                                                                                                                              فلما انتهى - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة فرآها ومعه المسلمون تقدم على راحلته ، واستلم الركن بمحجنه ، وكبر ، فكبر المسلمون بتكبيره ، فرجعوا التكبير حتى ارتجت مكة تكبيرا حتى جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير إليهم أن اسكتوا - والمشركون فوق الجبال ينظرون - وطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبيت ، آخذا بزمام الناقة محمد بن مسلمة ، فأقبل على الحجر فاستلمه ، ثم طاف بالبيت .


                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم ، والبيهقي من طريق عبد الله بن دينار ، وأبو نعيم من طريق نافع كلاهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وأبو نعيم والبيهقي من طريق سعيد بن جبير وابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم ، وابن مندة ، ومحمد بن عمر عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم فتح مكة ، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما مرصعة بالرصاص ، وكان هبل أعظمها وهو وجاه الكعبة ، وإساف ونايلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح ، وفي يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوس وقد أخذ بسية القوس ،

                                                                                                                                                                                                                              فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما مر بصنم منها يشير إليه ويطعن في عينه ويقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء 81]

                                                                                                                                                                                                                              فما يشير إلى صنم إلا سقط لوجهه . وفي لفظ لقفاه ، من غير أن يمسه . وفي ذلك يقول تميم بن أسد الخزاعي . [ ص: 235 ]


                                                                                                                                                                                                                              ففي الأصنام معتبر وعلم     لمن يرجو الثواب أو العقابا

                                                                                                                                                                                                                              قال أئمة المغازي - رحمهم الله تعالى - : فطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعا على راحلته يستلم الركن الأسود بمحجنه كل طواف ، فلما فرغ من طوافه نزل عن راحلته .


                                                                                                                                                                                                                              وعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر ، قال : فما وجدنا مناخا في المسجد حتى أنزل على أيدي الرجال ، ثم خرج بها ، قالوا : وجاء معمر بن عبد الله بن نضلة - بالنون ، والضاد المعجمة - فأخرج الراحلة فأناخها بالوادي ، ثم انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إلى المقام - وهو لاصق بالكعبة ، والدرع عليه والمغفر وعمامته بين كتفيه ، فصلى ركعتين

                                                                                                                                                                                                                              ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال : «لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلوا” ،

                                                                                                                                                                                                                              فنزع له العباس بن عبد المطلب - ويقال الحرث بن عبد المطلب - دلوا ، فشرب منه وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبونه على وجوههم ، والمشركون ينظرون إليهم ويتعجبون ويقولون : ما رأينا ملكا قط أبلغ من هذا ولا سمعنا به .

                                                                                                                                                                                                                              وأمر بهبل فكسر وهو واقف عليه ، فقال الزبير بن العوام لأبي سفيان بن حرب : يا أبا سفيان قد كسر هبل ، أما إنك قد كنت منه يوم أحد في عزور حين تزعم أنه أنعم ، فقال أبو سفيان : دع عنك هذا يا ابن العوام ، فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان ، ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس ناحية من المسجد والناس حوله .
                                                                                                                                                                                                                              وعن أبي هريرة رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح قاعدا ، وأبو بكر قائم على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف . رواه البزار .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية