الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                984 ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى: أن هذا الحديث قد يحتمل ما ذكروا، وقد يحتمل أن تكون صفة الجمع من كلام الزهري لا عن أنس فإنه قد كان كثيرا ما يفعل هذا؛ يصل الحديث بكلامه حتى يتوهم أن ذلك في الحديث، وقد يحتمل أن يكون قوله: "إلى أول وقت العصر". إلى قرب أول وقت العصر، فإن كان معناه يقتضي ما صرفناه إليه مما لا يجب أن يكون في وقت العصر، فلا حجة في هذا الحديث للذي تقول: إنه صلاهما في وقت العصر، وإن كان أصل الحديث على أنه صلاهما في وقت العصر، فكان ذلك هو جمعه بينهما، فإنه قد خالفه في ذلك عبد الله بن عمر فيما رويناه عنه عن النبي -عليه السلام-.

                                                وخالفته في ذلك عائشة -رضي الله عنها- كما حدثنا فهد ، قال: ثنا الحسن بن بشر ، قال: ثنا المعافى بن عمران ، عن مغيرة بن زياد الموصلي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -عليه السلام- في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر ، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء" .

                                                [ ص: 268 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 268 ] ش: هذا جواب عن الإيراد المذكور، تقريره: أن حديث أنس يحتمل ثلاث وجوه:

                                                الأول: أنه يحتمل المعنى الذي ذكره الخصم؛ لأن باب الاحتمال مفتوح.

                                                الثاني: يحتمل أن تكون صفة الجمع التي ذكرت فيه من كلام محمد بن مسلم الزهري وليس من كلام أنس ؛ فإن من عادة الزهري أنه كثيرا ما كان يصل الحديث بكلامه حتى يتوهم المتوهم أنه من الحديث، والحال أنه من كلام نفسه.

                                                الثالث: أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: "إلى أول وقت العصر". إلى قرب أول وقت العصر؛ لأن مثل هذا كثير في الكلام شائع ذائع كما قد ذكرناه.

                                                ثم إنا إذا سلمنا أنه من كلام أنس وليس هو من كلام الزهري ؛ يبقى معنا الاحتمالان المذكوران، فإن كان المعنى في نفس الأمر على الاحتمال الذي ذكرناه، وهو أن يكون المراد منه قرب أول وقت العصر فلم يبق حينئذ حجة للخصم، ولا اعتراض به على غيره، وإن كان المعنى في نفس الأمر على ما ذكره الخصم، وهو أن يكون -عليه السلام- صلاها في وقت العصر، وأن هذا هو جمعه -عليه السلام- فيعارضه حينئذ حديث عبد الله بن عمر الذي رواه الطحاوي فيما مضى، عن فهد ، عن الحماني ، عن ابن المبارك ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع ... فذكر الحديث، وفيه: "حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق نزل فجمع بينهما، وقال: رأيت النبي -عليه السلام- يصنع هكذا" . فإنه يدل على أنه -عليه السلام- أخر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقتها .

                                                وكذلك يعارضه حديث عائشة ، فإنه أيضا يدل على أنه -عليه السلام- أخر الظهر إلى آخر وقته، وقدم العصر في أول وقته، وأخر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقته، فإذا تعارض الخبران فالمصير إلى خبر ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهم- أولى؛ لموافقة الأصول، ولاحتمال حديث أنس ما ذكرنا من الوجهين.

                                                وإسناد حديث عائشة حسن جيد، والحسن بن بشر البجلي الكوفي أحد مشايخ البخاري ، والمعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي ، روى له البخاري وأبو داود والنسائي .

                                                [ ص: 269 ] والمغيرة بن زياد أبو هشام البجلي الموصلي ، قال وكيع : كان ثقة. وعن أحمد : مضطرب الحديث. وعن ابن معين : ليس به بأس، وعنه: ثقة. وروى له الأربعة.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا مغيرة بن زياد ، عن عطاء ، عن عائشة : "أن النبي -عليه السلام- كان يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء" . وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده": أنا وكيع ، أنا المغيرة بن زياد ... إلى آخره نحوه، وفي آخره: "في السفر".




                                                الخدمات العلمية