الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 6419 ص: وَلَيْسَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ" إِحْدَاهُمَا فَعَمَّهُمَا بِالْخِطَابِ وَأَرَادَ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى كَمَا قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَكَمَا قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ وَالرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ لَا مِنَ الْجِنِّ، وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِذْ أَخَذَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الْبَيْعَةِ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ لَا يُشْرِكُوا وَلَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا ثُمَّ قَالَ: "فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ". 6422 حَدَّثَنَا بِذَلِكَ يُونُسُ ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ ، فَعُوقِبَ بِشِرْكِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِكَفَّارَةٍ لَهُ، فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ". أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ مَا سِوَى الشِّرْكِ ، مِمَّا ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ قَدْ جَاءَ ظَاهِرُهَا عَلَى الْجَمِيعِ، وَبَاطِنُهَا عَلَى خَاصٍّ مِنْ ذَلِكَ، احْتَمَلَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ" . ظَاهِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَبَاطِنُهُ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَتَكُونُ الْخَمْرُ الْمَقْصُودَةُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْعِنَبَةِ لَا مِنَ النَّخْلَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا قَوْلُهُ: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ" أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهِ الشَّجَرَتَيْنِ جَمِيعًا، وَيَكُونُ مَا خَمُرَ مِنْ ثَمَرِهِمَا خَمْرًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- فِي نَقِيعِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، فَجَعَلُوهُ خَمْرًا. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ" أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْعِنَبِ مَا قَدْ عَقَلْنَا مِنَ الْخَمْرِ، وَعَلَى أَنَّهَا مِنَ التَّمْرِ مَا يُسْكِرُ، فَيَكُونُ خَمْرُ الْعِنَبِ هِيَ عَصِيرَ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ، وَخَمْرُ التَّمْرِ هِيَ الْمِقْدَارَ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ الَّذِي يُسْكِرُ. فَلَمَّا احْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ هَذِهِ الْوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْنَا لَمْ يَكُنِ الْأَخْذُ بِأَحَدِهَا أَوْلَى مِنْ بَقِيَّتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِمُتَأَوِّلٍ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَحَدِهَا إِلَّا كَانَ لِخَصْمِهِ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ. شرح معاني الآثار ش: لَمَّا كَانَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجَّتْ بِهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى بِظَاهِرِهِ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ؛ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ نُصْرَةً لَهُمْ. تَقْرِيرُهُ: أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الْمَعَانِي: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى، وَيَكُونُ الْخَمْرُ مِنَ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ. الثَّانِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَارِدًا عَلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ شَيْئَيْنِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ هَاهُنَا بَحْرَانِ وَهُمَا: بَحْرُ فَارِسَ وَبَحْرُ هِنْدَ، وَأَسْنَدَ خُرُوجَ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ إِلَيْهِمَا، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا يَخْرُجَانِ إِلَّا مِنْ بَحْرِ فَارِسَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ خَاطَبَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَأَسْنَدَ إِتْيَانَ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ، وَالْحَالُ أَنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْإِنْسِ لَا مِنَ الْجِنِّ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا ذُكِرَ فِيهِ أَشْيَاءُ وَأُرِيدَ مِنْهَا وَاحِدٌ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ الْإِشْرَاكُ وَالسَّرِقَةُ وَالزِّنَا، وَأَمَّا الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُ فَهُوَ: مَا سِوَى الْإِشْرَاكِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَشْرَكَ فَعُوقِبَ بِسَبَبِ شِرْكِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ لَهُ. وَإِسْنَادُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: عَنْ أَبِي الْيَمَانِ ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ...إِلَى آخِرِهِ نَحْوَهُ. وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَمُسْلِمٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٍو النَّاقِدِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَعَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَالتِّرْمِذِيُّ: عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالنَّسَائِيُّ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُبَادَةَ، نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا إِدْرِيسَ . وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ غُنْدُرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ نَحْوَهُ. وَعَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، بِهِ. وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُهُمْ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ يَخْرُجَانِ مَنْ أَحَدِ الْبَحْرَيْنِ، بَلْ يَخْرُجَانِ مِنْ كِلَيْهِمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْجِنَّ مِنْهُمْ رُسُلٌ؛ لِأَنَّهُمْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مُتَعَبِّدُونَ، مَوْعُودُونَ بِالنَّارِ وَمَوْعُودُونَ بِالْجَنَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ...." فَذَكَرَ فِيهَا: "وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً". وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: "فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا...إِلَى آخِرِهِ" عَلَى الْعُمُومِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَالْفُسَّاقَ وَالْكُفَّارَ وَإِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَأَبَا جَهْلٍ وَأَبَا لَهَبٍ كُلَّهُمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، يَفْعَلُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ مِنْ عُقُوبَةٍ أَوْ عَفْوٍ، إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ يُعَاقِبُ الْكُفَّارَ وَلَابُدَّ، وَإِبْلِيسَ وَأَبَا جَهْلٍ وَأَبَا لَهَبِ وَفِرْعَوْنَ وَلَابُدَّ، وَيَرْضَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَابُدَّ، وَكُلُّهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، مَنْ عَاقَبَ فَقَدْ شَاءَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ فَقَدْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: هَذَا كَلَامٌ مَدْخُولٌ كُلُّهُ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ عِنَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ أَنَّ اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ يَخْرُجَانِ مِنَ الْبَحْرِينِ جَمِيعًا. وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ يُخَالِفُ أَقْوَالَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ كَوْنُ الرُّسُلِ إِلَّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَوْ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، أَوْ مِنَ الْبَشَرِ إِلَى الْبَشَرِ أَوْ إِلَى الْبَشَرِ وَالْجِنِّ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الرُّسُلِ: وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَالْجِنُّ لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ فَلَا يَكُونُ مِنْهُمْ رَسُولٌ. فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الْمُعْتَرِضُ هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُقَاتِلٍ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِأَنَّهُ كَلَامٌ يُبْنَى عَلَى رَأْيِ الْفَلَاسِفَةِ يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ يَدٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْاحْتِمَالَاتِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّجَرَتَيْنِ جَمِيعًا، وَيَكُونَ مَا خُمِّرَ مِنْ ثَمَرِهِمَا خَمْرًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي نَقِيعِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، فَجَعَلُوهُ خَمْرًا. وَقَالَ صَاحِبُ "التَّقْرِيبِ": رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: الْأَنْبِذَةُ كُلُّهَا حَلَالٌ إِلَّا أَرْبَعَةً: الْخَمْرُ، وَالْمَطْبُوخُ إِذَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ. وَكَانَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَمَاعَةَ: أَنَّ كُلَّ شَرَابٍ يَبْقَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَرَوَى هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُلُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَلَا أُحَرِّمُهُ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا أَشْرَبَهُ. وَذَكَرَ فِي "الْأَصْلِ" قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ كُلُّ شَرَابٍ يَزْدَادُ جَوْدَةً عَلَى طُولِ التَّرْكِ فِي الْأَيَّامِ دُونَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ فَإِنْ كَانَ يُحَمَّضُ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ كُلِّهِ. قُلْتُ: الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ": أَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا حَرَامٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالسُّكْرُ عِنْدَنَا حَرَامٌ مَكْرُوهٌ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ عِنْدَنَا إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى حَرَامٌ مَكْرُوهٌ، وَالطَّلَاءُ مَا زَادَ عَلَى مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَشْرِبَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الْخَمْرَ تَكُونُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، وَلَكِنْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْعِنَبِ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ، وَهُوَ الْخَمْرُ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ التَّمْرِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُسْكِرًا مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ غَيْرُ الْمُسْكِرِ دَاخِلًا فِيهِ، فَيَكُونُ خَمْرُ الْعِنَبِ هِيَ الْعَصِيرَ مِنْهُ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ، وَخَمْرُ التَّمْرِ هُوَ الْمِقْدَارَ الَّذِي يُسْكِرُ، لَا مُطْلَقَ ذَلِكَ؛ فَافْهَمْ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ احْتِمَالَاتٍ لَيْسَ الذَّهَابُ إِلَى أَحَدِهَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَلَا لِمُتَأَوِّلِ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَحَدِهَا إِلَّا وَلِخَصْمِهِ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحَاجَةُ إِلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ، فَلِمَ لَا يُعْمَلُ بِمَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى الْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ؟. قُلْتُ: لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ فِي الْحَقِيقَةِ يَتَنَاوَلُ الَّتِي مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ، وَتَسْمِيَةَ مَاءِ التَّمْرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِاسْمِ الْخَمْرِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ بِالْخَمْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّ الْخَمْرِ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ مُسْتَحِلَّ مَا سِوَاهَا مِنَ الْأَشْرِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِسِمَةِ الْكُفْرِ، فَلَوْ كَانَتْ خَمْرًا لَكَانَ مُسْتَحِلُّهَا كَافِرًا خَارِجًا عَنِ الْمِلَّةِ كَمُسْتَحِلِّ الْمُشْتَدِّ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، يَحْتَاجُ الْحَدِيثُ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَاتٍ مُتَعَدِّدَةً. فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ مَا أَسْكَرَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَمْرٌ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". قُلْتُ: الْمَعْنَى فِي هَذَا الْخَبَرِ وَفِيمَا هُوَ مِثْلُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ: أَنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًا حَالَةَ وُجُودِ السُّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَاءِ الْعِنَبِ الْمُشْتَدِّ فَإِنَّهُ خَمْرٌ سَوَاءٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ شَرِبَتِ النَّبِيذَ الشَّدِيدَ، مِنْهُمْ: عُمَرُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَبُرَيْدَةَ فِي آخَرِينَ، فَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يُطْلِقُ الْخَمْرَ حَقِيقَةً عَلَى غَيْرِ مَاءِ الْعِنَبِ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ قَدْ شَرِبُوا خَمْرًا، وَحَاشَى هَؤُلَاءِ مِنْ ذَلِكَ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية