الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - قال القاضي والمعتزلة : الخبر : الكلام الذي يدخله الصدق والكذب . [ ص: 623 ] واعترض بأنه يستلزم اجتماعهما ، وهو محال . لا سيما في خبر الله تعالى . أجاب القاضي بصحة دخوله لغة .

            فورد أن الصدق : الموافق للخبر ، والكذب نقيضه . فتعريفه به دور . ولا جواب عنه . وقيل : التصديق أو التكذيب ، فيرد الدور .

            وأن الحد يأبى " أو " . وأجيب بأن المراد ، قبول أحدهما .

            التالي السابق


            ش - قال القاضي والمعتزلة في تعريف الخبر : الكلام الذي يدخله الصدق والكذب .

            فـ " الكلام " جنس يشمل الخبر وغيره . وقوله : " الذي يدخله الصدق والكذب " يخرج الأمر والنهي والاستفهام وسائر الإنشاءات .

            واعترض على هذا الحد بأنه يستلزم اجتماع الصدق والكذب في كل خبر ; لأن الواو يقتضي الجمع . لكن اجتماعهما محال ; لأن الخبر قد يكون كاذبا لا يدخله الصدق أصلا ، مثل قولنا : الاثنان فرد ، والثلاثة زوج .

            وقد يكون صادقا لا يدخله الكذب أصلا ، كالبديهيات ، لا سيما في خبر الله تعالى ، فإن احتمال الكذب في خبر الله أشد استحالة ، لا لنفس كونه خبرا ، بل لخصوصية كونه خبر الله تعالى .

            [ ص: 624 ] وقد قيل في تقرير هذا الاعتراض أنه يقتضي اجتماع الصدق والكذب ، وهو محال ; لأن الصدق والكذب متقابلان ، والمتقابلان لا يجوز اجتماعهما .

            وفيه نظر ; لأن المتقابلين يمتنع اجتماعهما في زمان واحد ، أما في زمانين فلا . والواو لا تقتضي اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في زمان واحد ، بل تقتضي اجتماعهما مطلقا .

            أجاب القاضي بأن الخبر الصادق [ صح ] دخول الكذب عليه لغة ، أي من حيث مفهومه لغة ، من غير اعتبار خصوصية المادة . [ وكذا صح دخول الصدق على الخبر الكاذب ] .

            وخبر الله تعالى ، والضروريات إنما يمتنع دخول الكذب عليه من خارج مفهوم الخبر ; لأن الدليل دل على أن كلام الله تعالى ، والضروريات ، يمتنع أن تكون كاذبة .

            ولما اعتبر القاضي في تعريف الخبر صحة دخوله لغة ، سقط الاعتراض المذكور .

            وقد ورد عليه أن الصدق هو الموافق للخبر والكذب نقيضه ، أعني الخبر الغير الموافق للخبر ، فيتوقف تعريف الصدق والكذب على الخبر . فتعريف الخبر بهما دور . ولا جواب عن لزوم الدور .

            [ ص: 625 ] قيل : فيه نظر ; لأن الدور إنما يلزم أن لو عرفنا الخبر بالصدق والكذب المصطلحين ، وهما بالخبر المصطلح . أما لو عرفناه بالصدق والكذب اللغويين أو بالمصطلحين ، ثم عرفناهما بالخبر اللغوي ، لم يلزم الدور .

            وهذا النظر ضعيف ; لأنه إنما يصدق ذلك لو كان لكل من الصدق والكذب والخبر مفهومان ، لغوي واصطلاحي ، وليس كذلك ; لأن مفهومهما اللغوي بعينه مفهومهما الاصطلاحي ، فلا يسقط الدور .

            قيل : الجواب عن لزوم الدور أن المعنى الذي علق به لفظ الخبر معلوم بالضرورة ، متميز لكل أحد ، غير معلوم من حيث علق به لفظ الخبر ، فعرفه من هذا الوجه بالصدق والكذب . فلا يلزم الدور .

            وفيه نظر ; لأن هذا التعريف بناء على كون مدلول الخبر ضروريا والمصنف لم يسلم بداهته . وفي تعريف المصنف الصدق بالموافق للخبر تساهل .

            وقيل في تعريف الخبر : إنه الكلام الذي يدخله التصديق أو التكذيب . والاعتراض الأول - وهو استلزام اجتماع الصدق والكذب - لم يرد [ ص: 626 ] ههنا ; لأن " أو " لا يقتضي الاجتماع ، ولكن يرد الدور ; لأن التصديق هو الإخبار عن كون المتكلم صادقا فيتوقف معرفته على الصادق ، والصادق على الصدق ، والصدق على الخبر ، فيلزم الدور . وفي هذا الدور توقف الشيء على نفسه بثلاث مراتب ، وفي الأول بمرتبة واحدة .

            وأيضا يرد على هذا التعريف أنه يشتمل على لفظ " أو " وهو للتشكيك والترديد ، والحد يأباه .

            وأجيب عن هذا بأن المراد أن الخبر يدخله أحدهما لا على التعيين ، وليس في دخول أحدهما لا على التعيين تردد ، بل التردد في دخول أحدهما على التعيين ، وهو غير معتبر في الحد .




            الخدمات العلمية