الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
المسألة الثانية : هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر .

واعلم أن الاستدلال بها من وجوه :

الوجه الأول : أن قوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ، معناه : لا يغفر الشرك على سبيل التفضل ؛ لأن بالإجماع لا يغفر على سبيل الوجوب ، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه .

فإذا كان قوله : إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل ، وجب أن يكون قوله : ويغفر ما دون ذلك هو أن يغفره على سبيل التفضل حتى يكون النفي ، والإثبات متواردين على معنى واحد .

ألا ترى أنه لو قال: فلان لا يعطي أحدا تفضلا ، ويعطي زائدا ، فإنه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا .

حتى لو صرح ، وقال : لا يعطي أحدا شيئا على سبيل التفضل ، ويعطي أزيد على سبيل الوجوب ، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام .

فثبت أن قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك على سبيل التفضل .

إذا ثبت هذا ، فنقول : وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة ؛ لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة ، وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا ، فلا يمكن حمل الآية عليه . [ ص: 334 ]

فإذا تقرر ذلك، لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة ، وهو المطلوب .

الثاني : أن الله تعالى قسم المنهيات على قسمين : الشرك ، وما سوى الشرك .

ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة ، والكبيرة بعد التوبة ، والصغيرة .

ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا ، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا ، لكن في حق من يشاء .

فصار تقدير الآية : أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك ، لكن في حق من شاء .

ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور ، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضا مغفورة .

الثالث : أنه تعالى قال: لمن يشاء فعلق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبيرة بعد التوبة ، وغفران الصغيرة مقطوع به ، وغير معلق على المشيئة .

فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة ، وهو المطلوب .

واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه .

ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية : بل الله يزكي من يشاء [النساء : 49] .

ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية ، وإلا كان كذبا ، والكذب على الله تعالى محال ، فكذا هاهنا .

واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد .

ونحن نعارضها بعمومات الوعد ، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة «البقرة » في تفسير قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة : 81] فلا فائدة في الإعادة .

وروى الواحدي في «البسيط » بإسناده عن ابن عمر ، قال: كنا على عهد [ ص: 335 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات الرجل منا على كبيرة ، شهدنا أنه من أهل النار ، حتى نزلت هذه الآية ، فأمسكنا عن الشهادات .

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما - : إني لأرجو : كما لا ينفع مع الشرك عمل ، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب .

ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - ، فسكت عمر - رضي الله عنه - .

وروي مرفوعا : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتسموا بالإيمان ، وأقروا به ، فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه ، كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه » .

التالي السابق


الخدمات العلمية