الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الخامس في كتابة اسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما في الملكوت وما وجد على الحجارة القديمة من نقش اسمه صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                                              قال الإمام العلامة خالد بن محمود بن جملة رحمه الله تعالى: لم يثبت أن غيره صلى الله عليه وسلم أثبت اسمه على العرش.

                                                                                                                                                                                                                              روى الحاكم والطبراني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال وكيف عرفت محمدا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقلت: إنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم، ولولا محمد ما خلقتك» .

                                                                                                                                                                                                                              قال الإمام الزاهد الشيخ إبراهيم الرقي رحمه الله تعالى: لو لم يتب عليه لبقي هو وذريته في دار السخط أبد الأبد.

                                                                                                                                                                                                                              فما ظنك برجل واحد شمل العالمين كلهم بركته، حتى صولح به المتمردون ورزق به المحرومون وجبر به المنكسرون وأنقذ به المعذبون، ومن العجب أن ننتظر شفاعته في القيامة وقد سبقت شفاعته فينا وفي أبينا من أول دنيانا، فهو مطهر الباطن والظاهر مبارك الأول والآخر.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي عاصم في المسند وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى: «يا موسى إن من لقيني وهو جاحد بمحمد صلى الله عليه وسلم أدخلته النار.

                                                                                                                                                                                                                              فقال: من محمد؟ قال يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض والشمس والقمر بألفي عام»
                                                                                                                                                                                                                              . [ ص: 86 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن آدم لما أكل من الشجرة عظم كربه واشتد ندمه علمه جبريل أن يقول دعاء ومنه: اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي. ففعل آدم، فقال الله: يا آدم من علمك هذا؟ قال: يا رب إنك لما نفخت في الروح.

                                                                                                                                                                                                                              فذكر نحو الحديث الأول.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي الدنيا عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: اختصم ولد آدم:

                                                                                                                                                                                                                              أي الخلق أكرم على الله؟ فقال بعضهم: آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته. وقال آخر: بل الملائكة الذين لم يعصوا الله. فذكروا الكلام لآدم فقال: لما نفخ في الروح لم تبلغ قدمي.

                                                                                                                                                                                                                              فاستويت جالسا فبرق العرش فنظرت فيه: محمد رسول الله. فذاك أكرم الخلق على الله عز وجل.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن الجوزي بسند جيد لا بأس به، عن ميسرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيا؟ قال: «لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وخلق العرش كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء.

                                                                                                                                                                                                                              وخلق الله تعالى الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأوراق والأبواب والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى نظر إلى العرش فرأى اسمي، فأخبره الله تعالى أنه سيد ولدك. فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه»
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن يونس القرشي، حدثنا قريش بن أنس حدثنا كليب أبو وائل قال: غزونا في صدر هذا الزمان الهند، فوقعت في غيضة فإذا فيها شجر عليه ورد أحمر مكتوب فيه بالبياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله أنزل على آدم عصيا بعدد الأنبياء [ ص: 87 ] والرسل، ثم أقبل على ابنه شيث فقال: يا بني أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد صلى الله عليه وسلم، فإني رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش وأنا بين الروح والطين، ثم طفت في السماوات فلم أر في السماوات موضعا إلا رأيت اسم محمد مكتوبا عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أر في الجنة قصرا ولا غرفة إلا واسم محمد مكتوب عليه، ولقد رأيت اسم محمد على نحور الحور العين وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن العديم في تاريخ حلب، عن أبي الحسين علي بن عبد الله الهاشمي الرقي، رحمه الله تعالى قال: دخلت بلاد الهند فرأيت في بعض قراها شجر ورد أسود فيفتح عن وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء مكتوب عليها بخط أبيض: لا إله إلا الله محمد رسول الله. أبو بكر الصديق. عمر الفاروق. فشككت في ذلك وقلت إنه معمول، فعمدت إلى حبة لم تفتح فرأيت فيها كما رأيت في سائر الورد، وفي البلد منه شيء كثير وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة.

                                                                                                                                                                                                                              وفي مسالك الأبصار ذكر ابن سعيد المغربي أنه أخبره من دخل الهند رأى في غيضة بنواحي بالكين، وهي قصبة الهند، شجرة عظيمة لها ورد أحمر فيه مكتوب ببياض: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

                                                                                                                                                                                                                              ونقل القاضي عن السمطاوي رحمه الله تعالى أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد على أحد جنبيه مكتوب: لا إله إلا الله، وعلى الآخر: محمد رسول الله.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الشيخ عبد الله اليافعي في كتاب «روض الرياحين» قال بعض الشيوخ: دخلت [ ص: 88 ] بلاد الهند فرأيت فيها شجرة تحمل ثمرا يشبه اللوز له قشران، فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مكتوب عليها بالحمرة: لا إله إلا الله. كتابة جلية، وهم يتبركون بها ويستقون بها إذا منعوا من الغيث. فحدثت بها أبا يعقوب الصياد فقال لي: ما أستعظم هذا، كنت اصطاد على نهر الأبلة فاصطدت سمكة مكتوب على جنبها الأيمن: لا إله إلا الله. وعلى جنبها الأيسر: محمد رسول الله. فلما رأيتها قذفتها في الماء احتراما لها.

                                                                                                                                                                                                                              الأبلة بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام: بلد معروف قرب البصرة.

                                                                                                                                                                                                                              وروى الخطيب في تاريخه، عن عبد الرحمن بن هارون المغربي رحمه الله تعالى قال: ركبت بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له السوطون، وكان معنا غلام صقلي ومعه سنارة فدلاها في البحر فصاد سمكة قدر شبر، فنظرنا فإذا مكتوب على أذنها الواحدة: لا إله إلا الله. وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى: محمد رسول الله. وكان أبين من نقش على حجر، وكانت السمكة بيضاء والكتابة سوداء كأنها كتابة بحبر. فقذفناها في البحر.

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ في العظمة عن جعفر بن عرفة رحمه الله تعالى قال: كنت في البحر في مركب فظهرت لنا سمكة بيضاء وإذا على قفاها مكتوب بسواد أشد سوادا من الحبر: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عساكر من طريق الحسن عن سلمان قال: قال عمر بن الخطاب رضي [ ص: 89 ] الله عنه لكعب الأحبار: أخبرنا عن فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مولده. قال: نعم يا أمير المؤمنين قرأت أن إبراهيم الخليل وجد حجرا مكتوبا عليه أربعة أسطر:

                                                                                                                                                                                                                              الأول: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. والثاني: أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي طوبى لمن آمن به واتبعه. والثالث: إني أنا الله لا إله إلا أنا من اعتصم بي نجا. والرابع: إني أنا الله لا إله إلا أنا الحرم لي والكعبة بيتي، من دخل بيتي أمن من عذابي.

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عن طلحة رضي الله تعالى عنه قال: وجد في البيت حجر منقور في الهدمة الأولى، فدعي رجل فقرأه فإذا فيه: عبدي المنتخب المتوكل المنيب المختار، مولده بمكة ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء ويشهد أن لا إله إلا الله، أمته الحمادون يحمدون الله بكل أكمة يأتزرون على أوساطهم ويطهرون أطرافهم.

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: بلغني في قول الله تعالى: وكان تحته كنز لهما أن الكنز كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يضحك، عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبا لمن يرى الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

                                                                                                                                                                                                                              وروى البزار عن أبي ذر نحوه، ولهذا تتمة في باب شرح أسمائه صلى الله عليه وسلم. [ ص: 90 ]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية