الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4685 4686 4687 4688 4689 4691 ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قد روى ذلك عن النبي -عليه السلام- كما رواه ابن عمر، وزاد عليه شيئا بين كيف حكم ما بقي من العبد بعد نصيب المعتق.

                                                حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، عن النبي -عليه السلام- قال: " من أعتق نصيبا -أو شركا- له في مملوك فعليه خلاصه كله في ماله، فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه". .

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد ، عن قتادة .... فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا فهد ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني جرير بن حازم ، عن قتادة .... فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا روح بن الفرج ، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الرحمن بن سليمان الرازي ، عن حجاج بن أرطاة ، عن قتادة .. فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا محمد بن النعمان ، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان بن عيينة ، عن سعيد بن أبي عروبة، ويحيى بن صبيح ، عن قتادة .... فذكر بإسناده مثله.

                                                فكان هذا الحديث فيه ما في حديث ابن عمر، وفيه وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسرا.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه: أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قد روى ذلك -أي: حكم العبد المشترك بين اثنين إذا أعتقه أحدهما- كما رواه عبد الله بن عمر ، عن النبي -عليه السلام- وزاد -أي أبو هريرة- عليه

                                                [ ص: 88 ] أي على ما رواه ابن عمر شيئا بين به أن ذلك الشيء الزائد كيف حكم ما بقي من العبد بعد نصيب الذي أعتقه، تلك الزيادة هي قوله: "فإن لم يكن له مال، استسعي العبد غير مشقوق عليه" فهذا صريح على وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسرا.

                                                قوله: "حدثنا يزيد بن سنان ...." إلى آخره.

                                                بيان لما رواه أبو هريرة، وأخرجه من خمس طرق:

                                                الأول: بإسناد صحيح، والنضر بالنون والضاد المعجمة، وبشير بفتح الباء الموحدة، ونهيك بفتح النون.

                                                وأخرجه الترمذي: ثنا محمد بن بشار، قال: نا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -عليه السلام-: "من أعتق نصيبا -أو قال: شقيصا- في مملوك، فخلاصه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال قوم قيمة عدل، ثم يستسعى في نصيبه الذي لم يعتق، غير مشقوق عليه".

                                                قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

                                                الثاني: عن محمد بن خزيمة ، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود .... إلى آخره.

                                                وهذا أيضا إسناده صحيح.

                                                وأخرجه أبو داود: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، قال: ثنا قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة قال: قال النبي -عليه السلام-: "من أعتق شقيصا في مملوك، فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإلا استسعي العبد غير مشقوق عليه".

                                                [ ص: 89 ] الثالث: عن فهد بن سليمان ، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري .... إلى آخره.

                                                ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدا.

                                                وأخرجه البخاري: ثنا أحمد بن أبي رجاء، ثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة، حدثني النضر بن أنس بن مالك ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة .... إلى آخره نحوه.

                                                الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري ، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري ، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي الأشل ، عن حجاج بن أرطاة النخعي، فيه مقال، عن قتادة ، عن النضر ، عن بشير ، عن أبي هريرة .

                                                الخامس: عن محمد بن النعمان السقطي ، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي شيخ البخاري ، عن سفيان بن عيينة ، عن سعيد بن أبي عروبة ، ويحيى بن صبيح -بفتح الصاد- الخراساني المقرئ، كلاهما عن قتادة .... إلى آخره.

                                                وهذا الحديث أخرجه الجماعة بأسانيد مختلفة.

                                                قوله: "فكان هذا الحديث" أي حديث أبي هريرة فيه ما في حديث عبد الله بن عمر المذكور فيما مضى، وفيه زيادة عليه، وهو وجوب السعاية على العبد إذا كان معسرا.

                                                فإن قيل: قال الخطابي: قوله: "استسعي العبد غير مشقوق عليه" كلام لا يثبته أهل النقل مسندا عن النبي -عليه السلام-، ويزعمون أنه من قول قتادة .

                                                [ ص: 90 ] وقد تأوله بعض الناس فقال: معنى السعاية: أن يستسعى العبد لسيده، أي يستخدم، ولذلك قال: "غير مشقوق عليه" أي لا يحمل فوق ما يلزمه من الخدمة إلا بقدر ما فيه من الرق، ولا يطالب بأكثر منه.

                                                وأيضا لم يذكر ابن أبي عروبة السعاية في روايته عن قتادة، وفيه اضطراب، فدل أنها ليست من متن الحديث عنده، وإنما هي من كلام قتادة، ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.

                                                وقال أبو عمر بن عبد البر: روى أبو هريرة هذا الحديث على خلاف ما رواه ابن عمر، واختلف في حديثه وهو حديث يدور على قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.

                                                واختلف أصحاب قتادة عليه في الاستسعاء، وهو الموضع المخالف لحديث ابن عمر في رواية مالك وغيره، واتفق شعبة وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث، والقول قولهم في قتادة عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم، وأصحاب قتادة الذين هم حجة فيه هؤلاء الثلاثة، فإن اتفق هؤلاء الثلاثة لم يعرج على من خالفهم في قتادة، وإن اختلفوا نظر، فإن اتفق منهم اثنان وانفرد واحد فالقول قول الاثنين، لا سيما إذا كان أحدهما شعبة، وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة؛ لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع، وقد اتفق شعبة وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه، وتابعهما همام، وفي هذا تقوية لحديث ابن عمر وهو حديث مدني صحيح لا يقاس به غيره، وهو أولى ما قيل به في هذا الشأن.

                                                وقال البيهقي: ضعف الشافعي السعاية بوجوه: منها: أن شعبة وهشاما روياه عن قتادة وليس فيه استسعاء، وهما أحفظ.

                                                [ ص: 91 ] ومنها: أنه سمع بعض أهل العلم يقول: لو كان حديث سعيد منفردا لا يخالفه غيره ما كان ثابتا.

                                                قلت: تابع ابن أبي عروبة على روايته عن قتادة يحيى بن أبي صبيح، رواه الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي عروبة ويحيى بن أبي صبيح ، عن قتادة، على ما رواه الطحاوي .

                                                وقد ذكر البيهقي أيضا في "سننه": أن الحجاج وأبان وموسى بن خلف وجرير بن حازم رووه عن قتادة كذلك، يعني ذكروا فيه الاستسعاء، وإذا سكت شعبة وهشام عن الاستسعاء لم يكن ذلك حجة على ابن أبي عروبة؛ لأنه ثقة، وقد زاد عليهما شيئا فالقول له، كيف وقد وافقه على ذلك جماعة.

                                                وقال ابن حزم: هذا خبر في غاية الصحة فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه، وقد رواه عنه يزيد بن هارون وعيسى بن يونس وجماعة كثيرة ذكرهم صاحب "التمهيد" ولم يختلفوا عليه في أمر السعاية، منهم عبدة بن سليمان، وهو أثبت الناس سماعا من أبي عروبة .

                                                وقال صاحب "الاستذكار": وممن رواه عنه كذلك روح بن عبادة ويزيد بن زريع وعلي بن مسهر ويحيى بن سعيد ومحمد بن بكر ويحيى بن أبي عدي، ولو كان هذا الحديث غير ثابت كما زعمه الشافعي لما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".

                                                وقال شارح "العمدة": الذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعليلات على البعد، ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليهم فيها مثل تلك التعليلات.




                                                الخدمات العلمية