الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
964 - حدثنا أبو علي الحسين بن زكريا السكري ، قال : حدثنا أحمد [ ص: 1428 ] بن عبد الجبار العطاردي ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني ابن أبي جهم مولى لامرأة من بني تميم ، كانت عند الحارث بن حاطب ، وكان يقال : مولى الحارث بن حاطب ، قال : حدثني من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، يقول : حدثت عن حليمة بنت الحارث ، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته ، أنها قالت : " قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر ، نلتمس بها الرضعات ، وفي سنة شهباء ، فقدمت على أتان لي قمراء ، كانت أذمة الركب ، ومعي صبي لنا ، وشارف لنا ، والله ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذلك ، ما يجد في ثديي ما يغنيه ، ولا في شارفنا ما يغذيه ، فقدمنا مكة ، [ ص: 1429 ] فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قيل : إنه يتيم ، تركناه ، وقلنا : ما عسى أن تصنع إلينا أمه ، إنما نرجو المعروف من أب الولد ، فأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا ؟ فوالله ما بقي من صواحباتي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما لم أجد غيره ، قلت لزوجي - الحارث بن عبد العزى - : والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحباتي ، ليس معي رضيع ، لأنطلق إلى ذلك اليتيم ، فلآخذنه ، فقال : لا عليك ، فذهبت ، فأخذته ، فوالله ما أخذته إلا أنى لم أجد غيره ، فما هو إلا أن أخذته ، فجئت به رحلي ، فأقبل عليه ثدياي بما شاء الله من لبن ، فشرب حتى روي ، وشرب أخوه حتى روي ، وقام صاحبي إلى شارفنا تلك ، فإذا إنها لحافل ، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا ، فبتنا بخير ليلة ، فقال صاحبي : يا حليمة ؛ والله إنى لأراك قد أخذت نسمة مباركة ، ألم تري ما بتنا به الليلة من الخير حين أخذناه ؟ ! فلم يزل الله عز وجل يزيدنا خيرا ، ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا ، فوالله لقطعت أتاني الركب ، حتى ما يتعلق بها حمار ، حتى إن صواحباتي ليقلن : ويحك يا بنت أبي ذؤيب ، أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا ؟ ! فأقول : نعم ، والله إنها لهي هي ، فيقلن : والله إن لها لشأنا ! ، حتى قدمنا أرض بني سعد ، وما أعلم أرضا من أرض الله عز وجل أجدب منها ، فإن كانت غنمي لتسرح ، ثم تروح شباعا لبنا ، فنحلب ما شئنا ، وما حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن ، وإن أغنامهم لتروح [ ص: 1430 ] جياعا ، حتى إنهم ليقولون لرعاتهم : انظروا حيث تسرح غنم ابنة أبي ذؤيب ، فاسرحوا معهم ، فيسرحون مع غنمي حيث تسرح ، فيريحون أغنامهم جياعا ، وما فيها قطرة لبن ، وتروح غنمي شباعا لبنا ، فنحلب ما شئنا .

فلم يزل الله عز وجل يرينا البركة ونتعرفها ، حتى بلغ سنتين ، فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان ، فوالله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا ، فقدمنا به على أمه ، ونحن أضن شيء به ؛ مما رأينا فيه من البركة ، فلما رأته أمه ، قلنا لها : يا ظئر ، دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى ، فإنا نخشى عليه أوباء مكة ، فوالله ما زلنا بها حتى قالت : فنعم ، فسرحته معنا ، فأقمنا به شهرين أو ثلاثة ، فبينا هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة ، في بهم لنا .

جاءنا أخوه يشتد ، فقال : أخي ذلك القرشي ، قد جاءه رجلان ، عليهما بياض ، فأضجعاه ، فشقا بطنه ، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه ، فنجده قائما منتقعا لونه ، فاعتنقه أبوه ، وقال : أي بني ؛ ما شأنك ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بياض ، فأضجعاني ، فشقا بطني ، ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ، ثم رداه كما كان ، فرجعنا به معنا ، فقال أبوه : يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب ، انطلقي بنا فلنرده إلى أهله ، قبل أن يظهر به ما نتخوف ، قالت : فاحتملناه ، فلم ترع أمه إلا به ، قد قدمنا به عليها ، فقالت : ما ردكما به ؟ فقد كنتما عليه حريصين ، فقلنا : لا والله [ ص: 1431 ] يا ظئر ، إلا أن الله عز وجل قد أدى عنا ، وقضينا الذي علينا ، وقلنا : نخشى الإتلاف والأحداث ، فقلنا : نرده على أهله .

فقالت : ما ذاك بكما ؟ فأصدقاني شأنكما ، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره فقالت : أخشيتما عليه الشيطان ؟ كلا ، والله ، ما للشيطان عليه سبيل ، وإنه لكائن لابني هذا شأن ، ألا أخبركما خبره ؟ قلنا : بلى .

قالت : حملت به ، فما حملت حملا قط أخف منه ، فأريت في النوم حين حملت به ، كأنه خرج مني نور ، أضاءت له قصور الشام ، ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود ؛ معتمدا على يديه ، رافعا رأسه إلى السماء ، فدعاه عنكما .


[ ص: 1432 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية