الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 435 ( وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ : أَكِنَّ النَّاسُ مِنَ الْمَطَرِ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ ) . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَسْجِدِ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا ، وَزَادَ فِيهِ عَمَرُ ، وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا ؛ قَوْلُهُ ( بِاللَّبِنِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَيُقَالُ : اللَّبِنَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهِيَ الطُّوبُ النِّيءُ ؛ قَوْلُهُ ( وَعُمُدُهُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ وَبِفَتْحِهِمَا ، جَمْعُ الْكَثْرَةِ لِعَمُودِ الْبَيْتِ ، وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَعْمِدَةٌ . قَوْلُهُ ( أَكِنَّ ) فِيهِ أَوْجُهٌ : الْأَوَّلُ : أَكِنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى صُورَةِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِكْنَانِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ ، وَهِيَ الْأَظْهَرُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ( أَمَرَ عُمَرُ ) ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ( وَإِيَّاكَ ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلًا أَمَرَ بِالْبِنَاءِ ، وَخَاطَبَ أَحَدًا بِذَلِكَ ثُمَّ حَذَّرَهُ مِنَ التَّحْمِيرِ وَالتَّصْفِيرِ بِقَوْلِهِ ( وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ ) ، وَالْإِكْنَانُ مِنْ أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَيْ : صُنْتُهُ وَسَتَرْتُهُ ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ وَالْكِسَائِيُّ كَنَنْتُهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ بِمَعْنَى أَكْنَنْتُهُ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي ( الْفَصِيحِ ) : أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَيْ : أَخْفَيْتُهُ ، وَكَنَنْتُهُ إِذَا سَتَرْتَهُ بِشَيْءٍ ، وَيُقَالُ : أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ سَتَرْتُهُ وَصُنْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ ، وَأَكْنَنْتُهُ فِي نَفْسِي أَسْرَرْتُهُ ، وَفِي ( كِتَابِ فَعَلَ وَأَفْعَلَ ) لِأَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى ، قَالَتْ تَمِيمٌ : كَنَنْتُ الْجَارِيَةَ أُكِنُّهَا كِنًّا بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَأَكْنَنْتُ الْعِلْمَ وَالسِّرَّ ، وَقَالَتْ قَيْسٌ : كَنَنْتُ الْعِلْمَ وَالسِّرَّ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَأَكْنَنْتُ الْجَارِيَةَ بِالْأَلِفِ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي ( نَوَادِرِهِ ) : أَكْنَنْتُ السِّرَّ ، وَكَنَنْتُ وَجْهِي مِنَ الْحَرِّ ، وَكَنَنْتُ سَيْفِي قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ هَذَا بِالْأَلِفِ أَيْضًا . الْوَجْهُ الثَّانِي : أُكِنُّ النَّاسَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَضْمُومَةِ بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : هَكَذَا رُوِّينَاهُ ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْتِفَاتٌ ، وَهُوَ أَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الصَّانِعِ ، فَقَالَ : وَإِيَّاكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَجْرِيدًا ، فَكَأَنَّ عُمَرَ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ جَرَّدَ عَنْهَا شَخْصًا ثُمَّ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ قَالَهُ عِيَاضٌ : كِنَّ النَّاسَ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ ، وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ كِنَّ يَكِنُّ ، وَهُوَ صِيغَةُ أَمْرٍ ، وَأَصْلُهُ أُكِنَّ بِالْهَمْزَةِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : كُنَّ بِضَمِّ الْكَافِ مِنْ كُنَّ فَهُوَ مَكْنُونُ ، وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ . قَوْلُهُ ( وَإِيَّاكَ ) كَلِمَةُ تَحْذِيرٍ ، أَيِ احْذَرْ مِنْ أَنْ تُحَمِّرَ ، وَكَلِمَةُ أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ ، وَمَفْعُولُ تُحَمِّرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : إِيَّاكَ تَحْمِيرَ الْمَسْجِدِ أَوْ تَصْفِيرَهُ ، وَمُرَادُهُ الزَّخْرَفَةُ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا : "مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ " ؛ قَوْلُهُ ( فَتَفْتِنُ النَّاسَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَسُكُونِ الْفَاءِ مِنْ فَتَنَ يَفْتِنُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ فَتْنًا وَفُتُونًا إِذَا امْتَحَنَتْهُ ، وَضَبْطَهُ ابْنُ التِّينِ بِضَمِّ تَاءِ الْخِطَابِ مِنْ أَفْتَنَ ، وَالْأَصْمَعِيُّ أَنْكَرَ هَذَا ، وَأَبُو عُبَيْدٍ أَجَازَهُ ، وَقَالَ : فَتَنَ وَأَفْتَنَ بِمَعْنًى ، وَهُوَ قَلِيلٌ ، وَالْفِتْنَةُ اسْمٌ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنَى الْإِثْمِ وَالْكُفْرِ ، وَالْقِتَالِ ، وَالْإِحْرَاقِ ، وَالْإِزَالَةِ ، وَالصَّرْفِ عَنِ الشَّيْءِ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَيَفْتِنُ مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا مِنَ التَّفْتِينِ ، قُلْتُ : إِذَا كَانَ مِنَ التَّفْتِينِ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ، وَمَاضِيهِ فَتَّنَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ ، وَعَلَى ضَبْطِ ابْنِ التِّينِ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ ، وَهُوَ الْإِفْتَانُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَنْصُوبِ بِكَلِمَةِ أَنْ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية