الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  417 88 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا يحيى ، عن هشام قال : أخبرني أبي ، عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير ، فذكرتا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله " لعن الله اليهود " من حيث أنه يوافقه ، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لعن اليهود لكونهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وفي هذا الحديث ذم النصارى بشيء أعظم من اللعن في كونهم كانوا إذا مات الرجل الصالح فيهم بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تصاوير .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ؛ الأول : محمد بن المثنى ؛ بفتح النون المشددة بعد الثاء المثلثة . الثاني : يحيى بن سعيد القطان . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه رواية الإسماعيلي من هذا الوجه أخبرتني عائشة .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في هجرة الحبشة عن محمد بن المثنى ، وأيضا أخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب ، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم ؛ ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد به .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) : قوله ( أن أم حبيبة ) بفتح الحاء المهملة ، أم المؤمنين ، اسمها رملة - بفتح الراء على الأصح - بنت أبي سفيان صخر الأموية ، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - إلى الحبشة فتوفي هناك فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي هناك سنة ست من الهجرة وكان النجاشي أمهرها من عنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثها إليه ، وكانت من السابقات إلى الإسلام ، توفيت سنة أربع وأربعين بالمدينة على الأصح .

                                                                                                                                                                                  قوله ( وأم سلمة ) بفتح اللام ، [ ص: 174 ] أم المؤمنين أيضا ، واسمها هند - على الأصح - بنت أبي أمية المخزومية ، هاجر بها زوجها أبو سلمة إلى الحبشة ، فلما رجعا إلى المدينة مات زوجها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تقدمت في باب العظة بالليل .

                                                                                                                                                                                  قوله ( ذكرتا ) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي ، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة وأم سلمة ، وهو - على الأصح - في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي " ذكرا " بالتذكير وهو على خلاف الأصل ، والأظهر أنه من النساخ أو من بعض الرواة غير المميزين .

                                                                                                                                                                                  قوله ( كنيسة ) بفتح الكاف ، وهي معبد النصارى ، وفي موضع آخر يقال لها مارية ؛ والمارية بتخفيف الياء البقرة ، وبتشديدها القطاة الملساء .

                                                                                                                                                                                  قوله ( رأينها ) بصيغة جمع المؤنث من الماضي ، وإنما جمع باعتبار من كان مع أم حبيبة وأم سلمة ، وفي رواية الكشميهني والأصيلي : " رأتاها " على الأصل بضمير التثنية .

                                                                                                                                                                                  قوله ( فيها تصاوير ) جملة اسمية في محل النصب ؛ لأنها صفة " كنيسة " ، والتصاوير التماثيل .

                                                                                                                                                                                  قوله ( إن أولئك ) بكسر الكاف ، ويجوز فتحها .

                                                                                                                                                                                  قوله ( فمات ) عطف على قوله " كان " .

                                                                                                                                                                                  قوله ( بنوا ) جواب " إذا " .

                                                                                                                                                                                  قوله ( تيك الصور ) بكسر التاء المثناة وسكون الياء آخر الحروف بدل اللام في تلك ، وهي لغة فيه ، وهي في رواية المستملي ، وفي رواية غيره : " تلك " .

                                                                                                                                                                                  قوله ( فأولئك ) ، ويروى " وأولئك " بالواو ، والكلام فيه مثل الكلام في " أولئك " الماضية .

                                                                                                                                                                                  قوله ( شرار الخلق ) بكسر الشين المعجمة ، جمع الشر ؛ كالخيار جمع الخير والبحار جمع البحر ، وأما الأشرار فقال يونس : واحدها شر أيضا ، وقال الأخفش : شرير ؛ مثل يتيم وأيتام . قال القرطبي : إنما صور أوائلهم الصور ليأتنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها ، فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك وسدا للذرائع في قبره صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك في مرض موته إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده ، ولما احتاجت الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون إلى زيادة مسجده - عليه الصلاة والسلام - بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا تصل إليه العوام فيؤدي إلى ذلك المحذور ، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي حرفوهما حتى التقيا حتى لا يمكن أحد أن يستقبل القبر .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستنبط منه من الأحكام ) : قال ابن بطال : فيه نهي عن اتخاذ القبور مساجد وعن فعل التصاوير ، وإنما نهى عنه لاتخاذهم القبور والصور آلهة . وفيه دليل على تحريم تصوير الحيوان خصوصا الآدمي الصالح ، وفيه منع بناء المساجد على القبور ، ومقتضاه التحريم كيف وقد ثبت اللعن عليه ؟ وأما الشافعي وأصحابه فصرحوا بالكراهة ، وقال البندنيجي : والمراد أن يسوى القبر مسجدا فيصلى فوقه . وقال : إنه يكره أن يبنى عنده مسجد فيصلى فيه إلى القبر ، وأما المقبرة الداثرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه فلم أر فيه بأسا لأن المقابر وقف وكذا المسجد ، فمعناهما واحد ، وقد ذكرنا عن قريب مذاهب العلماء في الصلاة على القبر ، وقال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثانا لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنع المسلمين عن مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور .

                                                                                                                                                                                  وفيه جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب ، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به ، وفيه ذم فاعل المحرمات ، وفيه أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل . .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية