الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
98 - " اتخذ الله إبراهيم خليلا؛ وموسى نجيا؛ واتخذني حبيبا؛ ثم قال: وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي؛ ونجيي " ؛ (هب)؛ عن أبي هريرة ؛ (ض).

التالي السابق


(اتخذ الله إبراهيم خليلا) ؛ اصطفاه؛ وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله؛ من تردد الرسل بالرحمة بينه وبينه؛ وإجابة الدعوة؛ وإظهار الخوارق عليه؛ وعلى آله؛ والنصر على أعدائه؛ وغير ذلك من المزايا والمواهب؛ و" الخليل" : المخالل؛ وهو الذي يخاللك؛ أي: يوافقك في خلالك؛ أو يسايرك في طريقك؛ من " الخل" ؛ الطريق في الرمل؛ أو يسد خللك؛ كما تسد خلله؛ أو يدخلك خلال منزله؛ ذكره الزمخشري ؛ وقال القاضي: سمي " خليلا" ؛ من " الخلة" ؛ بالفتح؛ الخصلة؛ فإنه وافقه في خصاله؛ أو من " الخلة" ؛ بالفتح أيضا؛ الحاجة؛ لانقطاعه إلى ربه؛ وقصره حاجته عليه؛ أو من " الخلة" ؛ بالضم؛ وهي التخلل؛ فإن الحب تخلل شغاف قلبه؛ بحيث لم يدع به خلالا إلا ملأه؛ لما خالله من أسرار الهيبة؛ ومكنون الغيوب؛ والمعرفة؛ لاصطفائه؛ عن أن يطرقه نظر لغيره؛ قال الراغب : " الخلة" ؛ تنسب إلى العبد؛ لا إليه (تعالى)؛ فيقال: إبراهيم خليل الله؛ ولا يقال: " الله خليله" ؛ وهو - وإن كان من الأسماء المتضايفة؛ التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر؛ وارتفاعه ارتفاعه - لكن ليس المراد بقولهم: " إبراهيم خليل الله" ؛ مجرد الصداقة؛ بل الفقر إليه؛ وخص إبراهيم؛ وإن شاركه كل موجود في افتقاره إليه؛ لأنه لما استغنى عن المقتنيات من أعراض الدنيا؛ واعتمد على الله حقا؛ وصار بحيث إنه لما قال له جبريل: " ألك حاجة؟" ؛ قال: " أما إليك فلا" ؛ فصبر على إلقائه في النار؛ وعرض ابنه للذبح؛ لاستغنائه عما سواه؛ فخص بهذا الاسم؛ (وموسى) ؛ ابن عمران ؛ (نجيا) ؛ خصه بالنجوى؛ أي: الخطاب؛ و" النجي" : المناجي الواحد؛ وهو الذي يخاطب الإنسان ويحدثه سرا؛ وهو من قوله (تعالى): وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ؛ و" التناجي" : التساور؛ (واتخذني حبيبا) ؛ " فعيل" ؛ بمعنى " مفعول" ؛ وقضية السياق أنه أعلى درجة من الأوصاف المثبتة لغيره ممن ذكر من الأنبياء؛ (ثم قال: وعزتي) ؛ قوتي؛ وغلبتي؛ (وجلالي) ؛ عظمتي؛ و" الجلالة" : عظم القدر؛ و" الجلال" ؛ بغير هاء: التناهي في ذلك؛ وخص بالله؛ فلا يطلق على غيره؛ كما سيجيء؛ (لأوثرن) ؛ بلام القسم؛ وضم الهمزة؛ وشد النون؛ لأفضلن؛ (حبيبي على خليلي) ؛ إبراهيم؛ (ونجيي) ؛ أي: مناجي؛ موسى؛ نبه به على أنه أفضل الرسل؛ وأكملهم؛ وجامع لما تفرق فيهم؛ فالحبيب خليل ومكلم ومشرف؛ وقيل: من قاس الحبيب بالخليل فقد أبعد؛ لأن الحبيب من جهة القلب؛ يقال: " حببته" ؛ أي: أصبت حبة قلبه؛ كما يقال: " كبدته" ؛ و" رأسته" ؛ و" فأدته" ؛ أي: أصبت كبده؛ ورأسه؛ وفؤاده؛ و" الخليل" ؛ من " الخلة" ؛ وهي الحاجة؛ كما مر؛ وقد آثره أيضا بالنظر؛ روى الطبراني ؛ في الأوسط؛ عن ابن عباس ؛ بإسناد حسن: " جعل الله الخلة لإبراهيم؛ والكلام لموسى؛ والنظر لمحمد" - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الراغب : يستعار الأثر للفضل؛ والإيثار للتفضيل؛ والاستئثار للتفرد بالشيء؛ دون غيره؛ والأكثر على أن درجة المحبة أرفع؛ وقيل عكسه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى ثبوت الخلة لغير ربه؛ وأثبت المحبة لفاطمة وابنيها؛ وغيرهم؛ وقيل: هما سواء.

(هب)؛ في كتاب البعث؛ والحكيم ؛ والديلمي ؛ وابن عساكر ؛ (عن أبي هريرة ) ؛ وضعفه مخرجه البيهقي ؛ وحكم ابن الجوزي بوضعه؛ وقال: تفرد به مسلمة الخشني؛ وهو متروك؛ والحمل فيه عليه؛ ونوزع بأن مجرد الضعف؛ أو الترك؛ لا يوجب الحكم بالوضع.



الخدمات العلمية