الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

جزء التالي صفحة
السابق

151 - " اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله - عز وجل " ؛ (تخ ت) عن أبي سعيد ؛ الحكيم؛ وسمويه ؛ (طب عد) عن أبي أمامة ؛ ابن جرير ؛ عن ابن عمر .

التالي السابق


(اتقوا فراسة) ؛ بكسر الفاء؛ ذكره جمع؛ وهي الحذق في ركوب الخيل؛ والمراد اطلاعه؛ وظاهره أن الفتح لم يسمع هنا؛ لكن في المصباح؛ بعد ذكره الكسر؛ قال: إن الفتح لغة؛ ثم قال: ومنه: " اتقوا فراسة" ؛ فاقتضى كلامه أنه بالفتح؛ وجزم به بعض محققي العجم؛ فقال بالفتح؛ وأما بالكسر فالفروسية؛ على الضمائر؛ فإن قيل: ما معنى الأمر باتقاء فراسة [ ص: 143 ] المؤمن؟ أجيب بأن المراد تجنبوا فعل المعاصي؛ لئلا يطلع عليه؛ فتفضحوا بين يديه؛ (المؤمن) ؛ الكامل الإيمان؛ أي: احذروا من إضمار شيء من الكبائر القلبية؛ أو إصرار على معصية خفية؛ أو تعد لحد من الحدود الشرعية؛ فإنه بنور إيمانه الذي ميزه الله به عن عوام المؤمنين مطلع على ما في الضمائر؛ شاهد لما في السرائر؛ فتفضحوا عنده؛ فيشهد عليكم به غدا؛ وأهل العرفان هم شهداء الله في أرضه؛ وربما ساءه ما رأى؛ فغار على حق الحق؛ فيمقتكم الله لمقت وليه؛ وقد وجد من ذلك كثير؛ و" المتفرس" : النظار المتثبت في نظره؛ حتى يعرف حقيقة سمة الشيء؛ وفي رواية ذكرها ابن الأثير: " اتقوا قرابة المؤمن" ؛ قال: يعني فراسته؛ وظنه الذي هو قريب من العلم؛ والتحقيق؛ بصدق حديثه؛ وإصابته؛ يقال: ما هو بعالم؛ ولا قراب عالم؛ و" الفراسة" : الاطلاع على ما في الضمائر؛ وقيل: مكاشفة اليقين؛ ومعاينة الغيب؛ وقيل: سواطع أنوار تلمع في القلب؛ تدرك بها المعاني؛ وقال الراغب : الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله؛ على أخلاقه وفضائله ورذائله؛ وربما قيل: هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله؛ وقد نبه الله - سبحانه وتعالى - على صدقها بقوله (تعالى): إن في ذلك لآيات للمتوسمين ؛ وقوله (تعالى): تعرفهم بسيماهم ؛ ولفظها من قولهم: " فرس السبع الشاة" ؛ وسمي الفرس به لأنه يفترس المسافات جريا؛ فكانت الفراسة اختلاس العارف؛ وذلك ضربان: ضرب يحصل للإنسان عن خاطر؛ لا يعرف سببه؛ وهو ضرب من الإلهام؛ بل من الوحي؛ وهو الذي يسمى صاحبه " المحدث" ؛ كما في خبر: " إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر " ؛ وقد تكون بإلهام حال اليقظة؛ أو المنام؛ والثاني يكون بصناعة متعلمة؛ وهي معرفة ما في الألوان والأشكال؛ وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية؛ ومن عرف ذلك - وكان ذا فهم ثابت - قوي على الفراسة؛ وقد ألف فيها تأليفات؛ فمن تتبع الصحيح منها اطلع على صدق ما ضمنوه؛ والمراد هنا هو الضرب الأول؛ بقرينة قوله: (فإنه ينظر بنور الله - عز وجل) ؛ أي: يبصر بعين قلبه المشرق بنور الله (تعالى)؛ وباستنارة القلب تصح الفراسة لأنه يصير بمنزلة المرآة التي تظهر فيها المعلومات كما هي؛ والنظر بمنزلة النقش فيها؛ قال بعضهم: من غض بصره عن المحارم؛ وكف نفسه عن الشهوات؛ وعمر باطنه بالمراقبة؛ وتعود أكل الحلال؛ لم تخطئ فراسته؛ قال ابن عطاء الله: واطلاع بعض الأولياء على بعض الغيوب جائز؛ وواقع؛ لشهادته له بأنه إنما ينظر بنور الله؛ لا بوجود نفسه؛ انتهى؛ ومن ثم شرطوا لحصول نورها:ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ؛ والحق - سبحانه وتعالى - يجزي العبد على عمله من جنسه؛ فمن غض بصره عن المحارم؛ عوضه إطلاق نور بصيرته؛ وقد قال علي - كرم الله وجهه - لأهل الكوفة: " سينزل بكم أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستغيثون بكم" ؛ فلم يغاثوا؛ فكان منهم في شأن الحسين ما كان؛ ورأى عمر - رضي الله عنه - قوما من مذحج؛ فيهم الأشتر ؛ فصعد النظر فيه؛ وصوب؛ ثم قال: " قاتله الله؛ إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا" ؛ فكان منه ما كان؛ ونظر رجل إلى امرأة؛ ثم دخل على عثمان - رضي الله (تعالى) عنه - فقال: " يدخل أحدكم علي وفي عينيه أثر الزنا" ؛ وحاكمت امرأة زوجها إلى بعضهم؛ فأصابته مشغولا بالتقديس؛ فانتظرته حتى فرغ؛ فقال: يا جاهلة بمقدار ما جنته على نفسها؛ اعترفي بذنبك؛ وأعلمي زوجك بجنايتك عليه؛ فإن السكران الذي واقعك في ليلة كذا وزوجك قائم في الهيكل يدعو لك؛ فقد أحبلك وستلدين بعد شهرين خلقا مشوها؛ فكان؛ قال الغزالي: وما حكي عن تفرس المشايخ وأخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم تخرج عن الحصر؛ قال: بل ما حكي عنهم من مشاهدة عذاب القبر؛ والسؤال؛ ومن سماع صوت الهاتف؛ ومن فنون الكرامات؛ خارج عن الحصر؛ والحكاية لا تنفع الجاحد ما لم يشاهد؛ ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل؛ سئل بعض العارفين عن الفراسة: ما هي؟ فقال: أرواح تتقلب في الملكوت؛ فتشرف على معاني الغيوب؛ فتنطق عن أسرار الحق نطق مشاهدة وعيان؛ وقال أبو عثمان المغربي: العارف تضيء له أنوار العلم؛ فيبصر بها عجائب الغيب؛ وقال الحريري لجلسائه: هل فيكم من إذا أراد الله أن يحدث في المملكة شيئا أعلمه قبل أن يبدو؟ قالوا: لا؛ قال: ابكوا [ ص: 144 ] على قلوب لم تجد من الله شيئا؛ وقال البرقي: وقع اليوم في المملكة حدث؛ لا آكل ولا أشرب حتى أعلم ما هو؛ فورد الخبر بعد أيام أن القرمطي دخل مكة في ذلك اليوم؛ وقتل بها المقتلة العظيمة؛ وقال السهروردي - لما ذكر كرامات الأولياء -: قد يعلمون بعض الحوادث قبل تكوينها.

(تخ ت) ؛ واستغربه؛ (عن أبي سعيد) ؛ الخدري ؛ وفيه مصعب بن سلام؛ أورده الذهبي في الضعفاء؛ وقال ابن حبان : كثير الغلط؛ فلا يحتج به؛ ( الحكيم) ؛ الترمذي ؛ ( وسمويه ) ؛ بفتح السين؛ وشد الميم المضمومة؛ وهو الحافظ إسماعيل؛ في فوائده؛ (طب عد) ؛ كلهم (عن أبي أمامة) ؛ الباهلي ؛ وفيه عبد الله بن صالح؛ كاتب الليث ؛ ليس بشيء؛ ( ابن جرير ) ؛ في تفسيره؛ وهو محمد الطبري ؛ المجتهد المطلق؛ أحد أئمة الدنيا؛ علما ودينا واجتهادا؛ (عن ابن عمر) ؛ ابن الخطاب ؛ وفيه مؤمل بن سعيد الرحبي؛ أورده الذهبي في المتروكين؛ وقال: قال أبو حاتم : منكر الحديث؛ وأسد بن وداعة؛ أورده الذهبي في الضعفاء؛ وقال: كان يسب عليا ؛ معاصر لدولة مروان الحمار؛ قال السخاوي - بعدما ساق هذه الطرق -: وكلها ضعيفة؛ وفي بعضها ما هو متماسك؛ لا يليق مع وجوده الحكم على الحديث بالوضع؛ انتهى؛ ومراده رد ما لابن الجوزي؛ حيث حكم بوضعه؛ فلم يصب؛ وحكم السخاوي على الكل بالضعف؛ غير صواب؛ فقد قال الهيتمي: إسناد الطبراني حسن؛ وذكر المؤلف في الدرر أن الترمذي خرجه من حديث ابن عمر ؛ وثوبان؛ بزيادة: " وينطق بتوفيق الله" ؛ وذكر في تعقيبات الموضوعات أن الحديث حسن صحيح.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث