الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب عدد حد الخمر ومن يموت من ضرب الإمام وخطأ السلطان

مسألة : قال الشافعي : " ولو كان رجل أغلف أو امرأة لم تخفض ، فأمر السلطان فعزرا فماتا ، لم يضمن السلطان : لأنه كان عليهما أن يفعلا ، إلا أن يعزرهما في حر شديد أو برد مفرط ، الأغلب أنه لا يسلم من عزر في مثله ، فيضمن عاقلته الدية " .

قال الماوردي : أما الختان ففرض واجب في الرجال والنساء . [ ص: 431 ] وقال أبو حنيفة : هو سنة يأثم بتركه . على قول العراقيين من أصحابه .

وقال الخراسانيون منهم : هو واجب وليس بفرض . كما قالوه في الوتر والأضحية ، بناء على أصلهم في الفرق بين الفرض والواجب .

واستدلالا بما روى قتادة ، عن أبي المليح ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : عشر من الفطرة : المضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وإحفاء الشارب ، وإعفاء اللحية ، وقلم الأظفار ، وغسل البراجم ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، والختان فلما جعله من الفطرة ، والظاهر من الفطرة أنه السنة ، وقرنه بما ليس بواجب ، دل على أنه غير واجب . قال : ولأنه قطع الشيء من الجسد يقصد به التنظيف ، فوجب أن يكون مستحبا كتقليم الأظفار وحلق الشعر .

وقال : ولأن المقصود بالختان إزالة القلفة التي تغشى الحشفة : ليمكن إزالة البول عنها ، وهو معفو عنه عندهم ، فدل على أنه ليس بواجب .

ودليلنا : قول الله عز وجل : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [ النحل : 123 ] ، وكان إبراهيم أول من اختتن بالقدوم ، روي مخففا ومشددا ، فمن رواه مخففا جعله اسم المكان الذي اختتن فيه ، ومن رواه مشددا جعله اسم الفأس الذي اختتن به .

وقيل : اختتن وهو ابن سبعين سنة .

وقيل : ثمانين سنة ، ولا يفعل ذلك بهذه السن إلا عن أمر الله تعالى ووحيه .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل أسلم : ألق عنك شعر الكفر واختتن فهذا أمر يقتضي الوجوب .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أيما رجل حج قبل أن يختتن لم يقبل حجه . قال ذلك على وجه المبالغة تأكيدا لإيجابه . [ ص: 432 ] ومن الاعتبار : أنه قطع تعبد من جسده ما لا يستخلف بعد قطعه : فوجب أن يكون فرضا كالقطع في السرقة .

وقولنا : تعبدا . احترازا عن قطع الأكل من الجسد ، فإنها غير واجبة .

وقولنا : ما لا يستخلف احترازا من الشعر والأظفار : ولأن في الختان قطع عضو وإدخال ألم على النفس ، وذلك لا يجوز إلا في واحد من ثلاثة : إما المصلحة ، أو عقوبة ، أو واجب ، فلما لم يكن في الختان مصلحة ولا عقوبة ، دل على أنه واجب .

وأما الجواب عن قوله : الختان سنة مع ضعف طريقه فمن وجهين :

أحدهما : أن السنة هي الطريقة المتبعة قد يكون ذلك واجبا ومستحبا ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي .

والثاني : أنه أشار بالسنة إلى ما قبل البلوغ : لأن وجوبه يكون بعد البلوغ .

وأما الجواب عن قوله : عشر من الفطرة ، فهو أن الفطرة الدين ، قال الله تعالى : فطرة الله التي فطر الناس عليها [ الروم : 30 ] يعني دينهم الذي فطرهم عليه .

وما قرن به من غير الواجبات لا يدل على أنه في حكمها : لأنه قد يقترن الواجب بغير واجب ، كما قال تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده [ الأنعام : 141 ] .

وأما الجواب عن قياسهم عن الحلق والتقليم ، فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أن قولهم : يقصد به التنظيف غير مسلم : لأنه يقصد به تأدية الفرض دون التنظيف : لأن مقصود التنظيف بالماء دون غيره ، ولأنه يمكن غسل البول مع بقائه .

والثاني : أنه لا يمتنع وإن قصد به التنظيف أن يكون فرضا كالوضوء والغسل من الجنابة .

والثالث : أنه لما لم يأثم بترك الشعر وأثم بترك الختان ، دل على افتراقهما في حكم الوجوب ، وفي هذا جواب استدلالهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث