الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وجملة الحرز : أن ينظر إلى المسروق فإن كان الموضع الذي سرق منه ينسبه العامة إلى أنه حرز في مثل ذلك الموضع ، قطع إذا أخرجها من الحرز . وإن لم ينسبه العامة إلى أنه حرز لم يقطع . ورداء صفوان كان محرزا باضطجاعه عليه ، فقطع عليه السلام سارق ردائه " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا هو الشرط الثاني في القطع : وهو الحرز . فلا يجب القطع إلا في السرقة من حرز ، والسرقة أخذ الشيء على سبيل الاستخفاء ، فإن جاهر بأخذه غصبا أو نهبا واختلاسا ، فليس بسارق ولا قطع عليه .

                                                                                                                                            وأما الحرز : فهو ما يصير المال به محفوظا على ما سنصفه . فإن كان المال في غير حرز فلا قطع فيه . فإذا استكمل هذان الشرطان مع ما قدمناه من قدر النصاب وجب القطع حينئذ ، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك .

                                                                                                                                            وقال داود : لا اعتبار بالحرز ، والقطع واجب بالسرقة من حرز وغير حرز .

                                                                                                                                            وقال أحمد بن حنبل : لا اعتبار بالسرقة والاستخفاء ، والقطع واجب على المجاهر بأخذ المال بغصب أو انتهاب أو اختلاس ، حتى لو خان أو جحد وديعة أو عارية وجب عليه القطع .

                                                                                                                                            واستدل داود بقول الله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ المائدة : 38 ] ، فكان على عمومه . واستدل أحمد برواية ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أن امرأة مخزومية كانت تستعير وتجحد ، فقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                            والدليل على داود قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا قطع في ثمر ولا كثر فأسقط القطع فيه : لأنه غير محرز ، ثم قال : فإذا آواه الجرين ففيه القطع لأنه قد صار حرزا به .

                                                                                                                                            وروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حريسة [ ص: 281 ] الجبل ، فقال : ليس في الماشية قطع ، إلا أن يأويها المراح ، ولا في الثمر قطع إلا أن يأويه الجرين وفي حريسة الجبل تأويلان :

                                                                                                                                            أحدهما : يعني محروسة الجبل ، فعبر عن المحروسة بالحريسة ، كما يقال مقتولة وقتيلة .

                                                                                                                                            والثاني : أنه أراد سرقة الجبل ، يقال : حرس إذا سرق . فيكون من أسماء الأضداد .

                                                                                                                                            وروى بعض أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا قطع إلا من حرز وهو ضعيف ، ولأن الإنسان لا يقدر على حفظ ماله بنفسه أبدا ، فأقيمت الأحراز مقام الأنفس في الحفظ والصيانة .

                                                                                                                                            والدليل على أحمد ، ما رواه ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس على الخائن ولا المختلس ولا المنتهب قطع وهذا نص ، ولأن السرقة مأخوذة من المسارقة وهو الاستخفاء ، فخرج منها المجاهر والجاحد ، فأما الآية فمخصوصه العموم بما ذكرنا .

                                                                                                                                            وأما خبر المخزومية فإنما قطعها لأنها سرقت .

                                                                                                                                            وقولهم : كانت تستعير الحلي فتجحد ذكر على سبيل التعريف ، كما قيل : مخزومية . ولم يكن قطعها بجحود العارية ، كما لم يقطعها لأنها مخزومية .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية