الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
. قال : وإذا التقط الرجل لقيطا فادعاه عبد أنه ابنه من زوجته هذه الأمة ، وصدقه المولى ، وقال هو عبدي ثبت النسب منهما ، وكان عبدا للمولى عند أبي يوسف رحمه الله وعند محمد رحمه الله يثبت النسب منهما ، وكان حرا ، أما ثبوت النسب [ ص: 129 ] بدعواهما استحسانا وفي القياس لا يثبت ; لأن اليد ثابت للملتقط فهما بمجرد الدعوى يريدان إبطال اليد الثابت له فلا يصدقان على ذلك وفي الاستحسان قال اعتبار يد الملتقط لمنفعة الولد حتى يكون محفوظا عنده لا لحق الملتقط ، وفي إثبات النسب ممن ادعى توفير المنفعة على الولد ، وقد بينا أن العبد في دعوة النسب كالحر فلهذا ثبت النسب من العبد والأمة بالدعوة فأما حجة محمد رحمه الله أن اللقيط حر باعتبار الدار وفي إثبات نسبه من المملوكين توفير المنفعة على الولد ، وفي إثبات الرق إضرار بالولد ، وليس من ضرورة ثبوت النسب ثبوت الرق فبقي على ما كان من الحرية فسقط اعتبار قولهما فيما يضر بالولد كما لو ادعاه ذمي ، وقد وجد في مصر من أمصار المسلمين يثبت النسب منه بالدعوة ، ويكون مسلما دفعا للضرر عن الولد وتوفيرا للمنفعة عليه في ثبوت نسبه .

وحجة أبي يوسف رحمه الله أنه لما حكمنا بثبوت النسب منهما فقد حكمنا بأنه مخلوق من ماء رقيقين والمخلوق من ماء رقيقين لا يكون حرا ; لأن الولد من الأصلين فإذا كانا رقيقين وليس هنا سبب يمكن الحكم بحرية الولد بذلك السبب ، ولا وجه لإثبات الحكم بدون السبب يكون الولد رقيقا ، يقرره أن ولد الأمة مملوك لمولاها ; لأنه جزء من أجزائها إلا إذا تمكن هناك غرور في جانب الفحل ، وهو حر فحينئذ يبقى صفة الحرية لمائه ، ولا غرور هنا فكان الولد رقيقا ، وفي الحقيقة هذه المسألة نظير ما ذكرنا في كتاب النكاح : العبد إذا صار مغرورا بأمة فولدت يكون الولد رقيقا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله خلافا لمحمد رحمه الله ونظير ما في كتاب الإقرار مجهولة الحال إذا أقرت بالرق ، ثم ولدت لأكثر من ستة أشهر بعد إقرارهما كان الولد رقيقا عند أبي يوسف خلافا لمحمد رحمه الله قال فإن ادعى اللقيط رجلان كل واحد منهما يدعي أنه ابنه ووصف أحدهما علامات في جسده ، ولم يصف الآخر شيئا جعلته ابن صاحب الصفة ; لأن الترجيح عند تعارض الدعوة تقع بالعلامة كما إذا وقع الاختلاف بين الزوجتين في متاع البيت ; ولأن إصابة العلامة دليل سبق يده إليه ، ودليل كونه ابنا له ; لأن الإنسان أعرف بعلامات ولده من غيره وهو نظير مدعي اللقطة إذا أصاب في العلامات يوم الملتقط فيما بينه وبين ربه بالدفع إليه ، ولو أصاب في بعض العلامات ، وأخطأ في البعض فهذا وما لم يذكر شيئا من العلامة سواء ; لأن اعتبار ما أصاب يدل على صدقه واعتبار ما أخطأ يدل على كذبه فإذا وقع التعارض بينهما صار كأنه لم يذكر من العلامات شيئا ، وإذا لم يصف واحد منهما من العلامات فهو ابنهما لاستوائهما في [ ص: 130 ] الدعوى ، ولو قال أحدهما هو غلام من صفة جسده كذا ، وقال الآخر هي جارية من صفة جسدها كذا فأيهما أصاب ذلك فهو أحق به لظهور علامة الصدق في كلامه وظهور دليل الكذب في كلام خصمه ، ولو ادعاه واحد ، وقال هو غلام فإذا هي جارية لم يصدق على ذلك لظهور دليل الكذب في دعواه .

ولو كان سبب قضاء الشهادة لم يقض بها مع ظهور دليل الكذب فكذلك إذا كان سبب القضاء الدعوى لا يقضى بها مع ظهور دليل الكذب ; ولأنه يدعي نسب الغلام ، وليس هنا غلام حاضر ودعوة المعدوم باطل .

قال فإن كان اللقيط في يد مسلم وادعاه ذمي فالقياس لا يثبت النسب منه ، وهذا غير القياس الأول في دعوة اللقيط ; لأنا قد حكمنا بإسلام الولد هنا باعتبار الدار ، ولا قول للذمي في دعوة نسب الولد المسلم ، ولكنه استحسن فقال في دعواه شيئان أحدهما : ثبوت نسب الولد وفيه منفعة والآخر : كفر الولد وفيه ضرر عليه فتصح دعوته فيما ينفع الولد دون ما يضره إذ ليس من ضرورة النسب تبعة الأبوين في الدين كالصغير إذا سبي وليس معه واحد من أبويه يكون ثابت النسب من الحربي بيقين محكوم بإسلامه ، ثم المسألة على أربعة أوجه إما أن يكون الملتقط مسلما ، وقد وجد في مصر من أمصار المسلمين فيكون محكوما له بالإسلام أو وجده ذمي في بيعة أو كنسية أو قرية من قرى أهل الذمة فيكون كافرا فأما إذا ، وجده مسلم في بيعة أو كنيسة أو وجده ذمي في مسجد من مساجد المسلمين قال في كتاب اللقيط العبرة للمكان ، وقال في كتاب الدعوى العبرة للواجد .

وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله أنه يحكم لذي اللقيط وسماه ، وجه رواية كتاب اللقيط أن المكان إليه أسبق من يد الواجد والحكم للسابق ; لأن الظاهر أن أهل الذمة يضعون أولادهم في مساجد المسلمين ، وإن المسلمين لا يضعون أولادهم في البيع والكنائس والحكم بالظاهر واجب عند تعذر الوقوف على الحقيقة .

ووجه رواية هذا الكتاب أن اللقيط في حكم المباح فمن سبقت يده إليه صار محرزا له ، وكان الحكم ليده إذ ليس للمكان يد معتبرة .

( ألا ترى ) أن المباح يملك بالإحراز باليد دون المكان .

ووجه رواية ابن سماعة رحمه الله أن الحكم بالزي ، والسيما واجب كالبالغ الذي يوجد في دار إذا قال أنا مسلم فإن كان عليه سيما المسلمين قبل قوله والأصل فيه قوله تعالى { يعرف المجرمون بسيماهم } ، وتفسير هذه الرواية ذكره ابن سماعة رحمه الله أنه إذا كان في عنقه صليب ، وعليه ثوب ديباج ووسط رأسه محرز فالظاهر أنه من أولاد النصارى فلا يحكم له بإسلامه يقول في الكتاب فإن كان في يد مسلم فدعاه ذمي ، وأقام [ ص: 131 ] شاهدين ذميين فإني أستحسن أن أجعله ابنه ، وأجعله مسلما ، وإذا وجد في بيعة أو كنيسة ، وهذه الرواية وهو قوله ، وأجعله مسلما ذكره في رواية أبي سليمان رحمه الله ، ولم يذكر في رواية أبي حفص رحمه الله ، والحاكم رحمه الله في المختصر صحح رواية أبي حفص رحمه الله ، وقال الحاكم بإسلامه عند مجرد الدعوى فأما مع إقامة البينة فلا يحكم بإسلامه ولكن ما ذكره في نسخ أبي سليمان رحمه الله ، وقال هو الأصح ; لأنا إذا حكمنا بإسلامه على هذه الرواية باعتبار التبعية للواجد وشهادة أهل الذمة ليست بحجة على الواجد ، ولا على من حكم بإسلامه تبعا للواجد فكان وجوده كعدمه فلهذا جعلناه مسلما ، وإن أثبتنا نسبه من الذمي قال : وإذا وجدته في مصر من أمصار المسلمين جعلته حرا مسلما ، ولا أقبل شهادة أهل الذمة عليه يريد به في حق الدين فأما في حق النسب فهو ثابت من الذمي كما بينا .

وإن أقام رجل البينة أنه ابنه ، وأقام آخر البينة أنه عبده قضيت به للذي يدعي أنه ابنه ; لأن في بينته إثبات نسبه وحريته ، وفي بينة الآخر إثبات رقه فتترجح بينة الحرية لمنفعة الصبي فإن أقام أحدهما البينة أنه ابنه من امرأته هذه الحرة ، وأقام آخر البينة أنه ابنه من هذه الأمة قضيت به أنه ابن الحر والحرة ; لأن المولود من الأمة بالنكاح يكون رقيقا فتترجح بينة المثبت للحرية .

ولو أقام كل واحد منهما البينة أنه ابنه من امرأته الحرة ووقت كل واحد منهما وقتا فإن عرف أن الصبي على أحدهما فهو لصاحب ذلك الوقت لظهور علامة الصدق في شهوده باعتبار سن الصبي ، وإن لم يعرف أنه على أي الوقتين فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله يقضى به لأسبق الوقتين ; لأنه لما تعذر الوقوف على سن الصغير ليعرف به الصادق من الكاذب بقيت العبرة للتاريخ فصاحب أسبق التاريخين يثبت النسب منه في ، وقت لا ينازعه الآخر فيه وبعد ما ثبت النسب منه لا يمكن إثباته من غيره ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقضى به بينهما ; لأن كل واحد منهما يثبت النسب منه من وقت العلوق ، والنسب لا يسبق وقت العلوق فلا فائدة في اعتبار سبق التاريخ بعد ذلك ، وصار كأن الشهود لم يوقتوا شيئا فيقضى به للرجلين هكذا ذكر هذا الخلاف في رواية أبي سليمان رحمه الله ، وفي رواية أبي حفص رحمه الله قال جعلته ابنهما في قولهم جميعا ، وإنما أشار إلى الخلاف في كونه ابن المرأتين ، وقد بيناه فيما سبق ; قال : وإن أقام أحدهما البينة أنه ابنه وادعى الآخر أنها ابنته ، وأقام البينة على ذلك فإذن اللقيط خنثى فإن كان يبول من مبال الرجال حكم بأنه ابن فيثبت نسبه من أثبت بنوته ، وإن كان يبول من مبال النساء يثبت [ ص: 132 ] النسب من الآخر ، وإن كان يبول منهما فالعبرة لأسبقهما خروجا ، وإن كان يخرج منهما جميعا معا فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله العبرة لأكثرهما وعند أبي حنيفة رحمه الله لا عبرة لكثرة البول وقلته فيكون ثبوت النسب منهما ; لأنه لا يترجح جانب أحدهما على صاحبه بإصابة العلامة فاستويا قال فإن ادعى اللقيط مسلم وذمي ، وأقام البينة قضيت به للمسلم ; لأن في بينته إثبات إسلام الولد ، وهو منفعة في حقه ، وكذلك إن كان شهود المسلم من أهل الذمة وشهود الذمي مسلمين ; لأن بينة كل واحد منهما حجة على صاحبه فيترجح ما كان موجبا إسلام الولد .

التالي السابق


الخدمات العلمية