الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ابن هشام: وحدثني غير واحد; أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة، فقلت: والله لأنظرن ما يصنع، فاتبعته، فأخذ عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه، وقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كان يقول إذا عصب بها ، فخرج وهو يقول:


أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل     أن لا أقوم الدهر في الكيول
أضرب بسيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وكان من المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته ، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها.

قال ابن إسحق: وقال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا فصمدت. إليه ، فلما حملت عليه السيف ولول ، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة.

وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني، فقال له: هلم يا ابن مقطعة البظور. وكانت أمه ختانة بمكة ، فلما التقيا ضربه حمزة فقتله، قال وحشي غلام جبير بن مطعم: والله إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه، فما يليق شيئا، مثل الجمل الأورق، إذ تقدم إليه سباع بن عبد العزى الغبشاني، فضربه ضربة، فكأنما أخطأ رأسه، وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها، دفعتها عليه، فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي، فغلب، فوقع، فأمهلته، حتى إذا مات جئته فأخذت [ ص: 18 ] حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم يكن لي بشيء حاجة غيره.

وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي، وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدا، فلما قتل مصعب، أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية عليا.

وقال ابن سعد: قتل مصعب بن عمير، فأخذ اللواء ملك في صورة مصعب، وحضرت الملائكة يومئذ، ولم تقاتل، وحكى دنو القوم بعضهم من بعض، والرماة يرشقون خيل المشركين، فتولي هوارب، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له علي فقتله، وهو كبش الكتيبة الذي تقدمت الإشارة إليه في الرؤيا، ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه، حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سحره، ثم حمله أبو سعيد بن أبي طلحة، فرماه سعد بن أبي وقاص، فأصاب حنجرته فقتله، ثم حمله مسافع بن طلحة، فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثم حمله الحارث بن طلحة، فرماه عاصم فقتله، ثم حمله كلاب بن طلحة، فقتله الزبير بن العوام، ثم حمله الجلاس بن طلحة، فقتله طلحة بن عبيد الله، ثم حمله أرطاة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، ثم حمله شريح بن قارط، فلسنا ندري من قتله، ثم حمله صواب غلامهم فقيل، قتله سعد بن أبي وقاص، وقيل:

علي، وقيل: قزمان، وهو أثبت الأقاويل.

رجع إلى خبر ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبي عامر الغسيل ، وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأوس بن شعوب علا أبا سفيان، فضربه شداد فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن صاحبكم (يعني حنظلة) لتغسله الملائكة، فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لذلك [ ص: 19 ] غسلته الملائكة، ثم أنزل الله تعالى نصره على المسلمين، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.

وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد ، عن عبد الله بن الزبير; أنه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة، وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حتى كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا، وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم.

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به ، وكان آخر من أخذ اللواء منهم صواب ، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذه بصدره وعنقه حتى قتل عليه.

قال ابن سعد: فلما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم، وتكلم الرماة الذين على عينين واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة [مكانهم] وقال: لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغنى، ووعظ أصحابه وذكرهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، قد انهزم المشركون، فما مقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر، وينتهبون معهم، وخلوا الجبل، ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله، فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبي جهل، فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم، وقتل أميرهم عبد الله بن جبير وانتفضت صفوف المسلمين، واستدارت رحالهم، وجالت الريح فصارت دبورا، وكانت قبل ذلك صبا، ونادى إبليس ، إن محمدا قد [ ص: 20 ] قتل، واختلط المسلمون، فصاروا يقتتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون به من العجلة، والدهش، ونادى المشركون بشعارهم: بالعزى وبهبل. فأوجعوا في المسلمين قتلا ذريعا، وولى من ولى منهم يومئذ .

التالي السابق


الخدمات العلمية