الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وذكر أبو عبد الله الحاكم في كتاب (الإكليل) له، بإسناده إلى الواقدي ، عن معمر بن راشد ، عن الزهري ، عن خارجة بن زيد، عن أم العلاء، قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في القرعة، فكان في منزلي حتى توفي، قالت: فكان المسلمون والمهاجرون في دورهم وأموالهم، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، دعا ثابت بن قيس بن شماس، فقال: "ادع لي قومك" فقال ثابت: الخزرج يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأنصار كلها" فدعا له الأوس والخزرج، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار، وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال: "إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم" ؟ فتكلم سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ فقالا: يا رسول الله، بل تقسم بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا [ ص: 77 ] يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفاء الله عليه، وأعطى المهاجرين، ولم يعط أحدا من الأنصار شيئا، إلا رجلين كانا محتاجين: سهل بن حنيف ، وأبا دجانة، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر عندهم.

وذكر أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب (فتوح البلدان) له; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم، وقسمت هذه فيهم خاصة، فقالوا: بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت: ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) قال أبو بكر رضي الله عنه: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي:


جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت     أبوا أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقي الذي يلقون منا لملت

قال: وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يزرع تحت النخل في أرضهم، فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح.

وروينا من طريق البخاري، قال: حدثني إسحاق قال: أخبرنا حبان ، حدثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، قال: ولها يقول حسان بن ثابت:


وهان على سراة بني لؤي     حريق بالبويرة مستطير

فأجابه أبو سفيان بن الحارث:


أدام الله ذلك من صنيع     وحرق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بنزه     وتعلم أي أرضينا تضير

هذه رواية البخاري. [ ص: 78 ]

وقال أبو عمر والشيباني وغيره إن أبا سفيان بن الحارث قال:

لعز على سراة بني لؤي     حريق بالبويرة مستطير

ويروى بالبويلة.

وذكر ابن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير بن العوام ، وأبا سلمة البويلة من أرضهم، فأجابه حسان:


أدام الله ذلكم حريقا     وضرم في طوائفها السعير
هم أوتوا الكتاب فضيعوه     فهم عمي عن التوراة بور

هذه أشبه بالصواب من الرواية الأولى. [ ص: 79 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية